
آسودة بكر
الحب مفهوماً، لطالما استقطب اهتمام الفلاسفة والشعراء والعلماء. ويستخدم الناس هذا المفهوم لوصف حالات مختلفة، تمتد من الانجذاب الجسدي المؤقت إلى الصداقة العميقة والمودة طويلة الأمد.
ومن أبرز المشكلات اللغوية أننا نستخدم كلمة واحدة، وهي “الحب”، للتعبير عن أنواع متعددة من العلاقات، مما يؤدي في كثير من الأحيان إلى سوء الفهم والدخول في علاقات غير صحية.
وضع عالم الاجتماع والكاتب الكندي جون آلان لي نظرية “ألوان الحب”، التي قدمت إطاراً علمياً حديثاً لفهم المشاعر الإنسانية.
في هذا المقال المختصر نسلط الضوء على ثلاثة من الأنماط الأساسية للحب وفقاً لنظرية جون آلان لي:
أولاً: إيروس (الحب العاطفي):
هذا هو الحب الذي نراه في الأفلام الرومانسية. ذلك العشق الذي يبدأ من النظرة الأولى، حيث يجذبك الطرف الآخر كالمغناطيس منذ اللقاء الأول. في هذه المرحلة يختزل الإنسان العالم كله في عيني محبوبه، ويتمنى أن يقضي حياته بأكملها معه.
هذا النوع من الحب يشبه ناراً متقدة، لكنه إذا لم يتطور إلى مرحلة أكثر نضجاً تقوم على الصداقة والتفاهم العملي، فإنه يخبو سريعاً، لأن إيروس يعتمد بدرجة كبيرة على الانجذاب والرغبة، ولا يمثل سوى المرحلة الأولى من التعرف إلى الطرف الآخر.
ثانياً: ستورج (حب الصداقة):
على عكس إيروس، يتسم ستورج بالهدوء والتدرج، ويمكن تشبيهه بنهر هادئ يجري بثبات. هنا لا يوجد “حب من النظرة الأولى”، بل تنشأ العلاقة من خلال قضاء الوقت معاً، ومشاركة الأفراح والأحزان، فتتطور المشاعر تدريجياً حتى تنشأ محبة عميقة، أحيانا من دون أن يشعر الطرفان بذلك.
ومن أجمل ما يميز هذا النوع أنه بعيد عن الدراما، والخوف من الفراق، والقلق العاطفي الحاد الذي يرافق إيروس، فالشريكان يصبحان كأنهما روح واحدة في جسدين، يدعم كل منهما الآخر ويكون صديقه الحقيقي.
وتبلغ الثقة بينهما مستوى لا يحتاجان معه إلى إثبات الحب كل يوم، فكل منهما يشعر مع الآخر براحة وأمان يشبهان شعوره بوجوده في منزله، ولأن هذه العلاقة تقوم على معرفة عميقة واحترام متبادل لرؤية كل منهما للحياة، فإنها لا تنهار أمام صعوبات الحياة، وحتى إذا خفت الجاذبية الجسدية أو هدأت حرارة الشغف، يبقى هذا النوع من الحب درعا نفسياً يحمي العلاقة من الفتور.
ثالثاً: براغما (الحب العقلاني):
حين يقود العقل الحب، يولد براغما.
في هذا النمط يكون العقل هو القائد، لا العاطفة ولا الغريزة. فهو يقوم على أرض الواقع لا على الأحلام.
قبل الدخول في علاقة، يطرح الشخص البراغماتي على نفسه أسئلة منطقية، مثل: هل يتوافق هذا الشخص معي في المستوى العلمي، وطريقة التفكير، والأهداف المستقبلية، والعادات والتقاليد؟ وهل يمكن أن نبني معا أسرة ناجحة؟
ولا يعني ذلك أنهم أشخاص انتهازيون أو ماديون، بل إنهم يريدون التأكد من أنهم يضعون مشاعرهم في المكان الصحيح.
كثيراً ما يظن الناس أن براغما حب بارد يخلو من الروح، لكن جون آلان لي يرى العكس، إذ يؤكد أن العثور على شريك متوافق عقلانياً هو أقوى أساس لعلاقة حب مستقرة وطويلة الأمد.
وتكمن قوة هذا النمط في ارتباطه بواقع الحياة، فعندما تظهر المشكلات المالية أو تحديات الحياة اليومية، يتعامل الطرفان معها كشريكين متعاونين يبحثان عن الحلول، بدلاً من الاستسلام للحزن أو اليأس.
توضح لنا نظرية جون آلان لي أن الحب ليس لوناً واحداً. فإيروس يضفي على حياتنا حرارة الشغف، وستورج يمنح أرواحنا الطمأنينة والصداقة العميقة، بينما يرسخ براغما أقدامنا على أرض الواقع بمنطقه وحكمته.
ولا يمكن القول إن أحد هذه الأنواع أفضل أو أسوأ من الآخر، لأن المشاعر الإنسانية غالباً ما تتداخل وتمتزج. والأهم هو أن نفهم مشاعرنا وندرك طبيعتها، وأن نتعرف أيضا إلى طبيعة مشاعر الطرف الآخر، حتى نبني علاقات صحية قائمة على الفهم والوعي، لا أن نؤذي أنفسنا أو غيرنا باسم الحب.


