
محمد حسن علي
يقول شكسبير في حكمته الخالدة: “أعطني خبزاً ومسرحاً، أعطك شعباً مثقفاً”. وفي هذه العبارة الوجيزة يتلخص سر نهضة الأمم: لا ثقافة بلا غذاء، ولا وعي بلا فن، ولا تنوير بلا أدب يحتضن العقول ويدغدغ المشاعر ويحرّك الضمائر. ولكن السؤال المحيّر الذي يطرح نفسه بقسوة على واقعنا العراقي اليوم: كيف يكون الخبز متوفراً والمسرح قائماً، ومع ذلك يبقى الجهل مستشرياً والفساد متفشياً؟!
إنها مفارقة عراقية بامتياز! الأزمة ليست في الأدب وحده، ولا في الأدباء وحدهم، بل الأزمة في العلاقة الجدلية بين الأديب والمجتمع، بين الكلمة والجمهور، بين النص والواقع. شكسبير قالها قبل أربعة قرون، ونحن اليوم نعيش تناقضها الأليم: خبز نأكله ومسرح نحضره، لكن شعباً لا يقرأ، وعقولاً لا تنتج، ونفوساً تلهث وراء لقمة العيش متناسية أنها تبتلع معها جرعات من التخدير الثقافي.
أزمة أدب أم أزمة أدباء؟
من الظلم أن نحمّل الأدب وزر تخلفنا، فالأدب ابن المجتمع ومرآته الناقدة وصوته المدوّي. لكن الأزمة الحقيقية تكمن في انفصام عريض بين الأديب العراقي وقضايا مجتمعه. إذ تحول الكثير من الأدباء إلى نخبة مغلقة، تكتب لبعضها البعض في منتديات افتراضية، وتتنافس على جوائز لا يسمع بها الجمهور، وتلهث وراء شهرة آنية لا تتجاوز حدود دائرتها الضيقة. أصبح الأدب في العراق أحياناً رياضة لغوية بارعة، أو لعبة جمالية رشيقة، لكنه فقد قدرته على الاختراق المجتمعي، وفقد دوره كقوة دافعة للتغيير.
والسؤال الأكثر إيلاماً: هل يعرف الأديب العراقي حياة المواطن البسيط؟ هل ينزل إلى الشارع ليسمع نبض الناس ويعرف همومهم وأحلامهم؟ هل يكتب بقلم يقطر ألماً حقيقياً، أم يكتب من خلف جدران مكتبته المكيفة؟ حين يكون الأديب بعيداً عن نبض مجتمعه، يصبح أدبه خطاباً نخبوياً طناناً، لا يخترق القلوب ولا يحرك الوجدان، ولا يغير شيئاً في واقع أحد.
الأدب والنهضة – علاقة جدلية
لا يمكن للأدب أن ينهض بالمجتمع ما لم ينهض بالأديب أولاً. والأديب الناهض هو ذلك المبدع الذي يعيد تعريف علاقته بالأشياء: لا يكتب ليُعجب النقاد، بل ليهزّ الراكدين. لا يسعى للجوائز، بل يسعى للعدالة. لا يلهث وراء المجد الأدبي، بل يبحث عن دور فاعل في تشكيل وعي الجمهور.
كيف ينهض الأدب بالأديب؟
- يعيد تشكيل وجدانه: الأدب الحقيقي رحلة اكتشاف للذات والآخر. حين يكتب الأديب عن الفقر، يعيد النظر في رفاهيته. حين يكتب عن المهمشين، يكتشف أجزاءً من وطنه كان يجهلها. الأدب ليس مهنة، بل موقف وجودي وممارسة روحية تعيد تركيب الإنسان من داخله.
2. يكسر أسر النخبوية: الأديب الحقيقي يخرج من دائرة النخبة إلى ساحة الجمهور. يكتب بلغة تصل، لا بلغة تعجيزية. يصوغ أحلام الناس ومخاوفهم بكلماتهم هم، لا بمفرداته المتعالية. بهذا يتحرر الأديب من عزلته وينمو وعيه بوظيفته الحقيقية.
3. يؤسس لضمير جمعي: حين يكتب الأديب عن الظلم، يتحمل مسؤولية النبذ الجماعي له. حين يكتب عن الفساد، يصبح شاهداً لا يمكن شراؤه. الأدب يخلق في الأديب إحساساً بالمسؤولية الأخلاقية، ويدفعه ليكون صوت الضمير، لا مجرد زخرف لفظي.
ثم كيف ينهض الأدب بالمجتمع؟
1. صناعة الوعي الناقد: الأدب يعوّد الناس على التساؤل، على التشكيك في المسلمات، على رفض التلقين الأعمى. الرواية التي تطرح إشكاليات الفساد، والقصة القصيرة التي تكشف أوجاع المجتمع، والشعر الذي يلهب المشاعر المكبوتة… كلها أدوات لصناعة مواطن لا يرضى بالواقع، بل يسعى لتغييره.
2. تعزيز ثقافة الحوار: الأدب الاحتفالي لا يبني مجتمعاً، لكن الأدب الحواري الذي يفتح مساحات للنقاش والاختلاف، والذي يقدم شخصيات مركبة وحالات إنسانية متعددة، هذا الأدب يرسخ ثقافة التعددية والتسامح والمواطنة. في العراق الذي يعاني من تمزق طائفي وقومي، يمكن للأدب أن يكون جسراً للتقارب والتفاهم.
3. كشف زيف الخطاب الرسمي: في المجتمعات التي تسيطر عليها خطابات التزييف والدعاية، يكون الأدب سلاح المقاومة الأول. حين يكتب الأديب بصدق عن واقع الفقر والمعاناة، فهو يقوض أساطير النجاح الزائف، ويفضح أكاذيب الأنظمة الفاسدة، ويعيد للمواطن ثقته في قدرته على التمييز بين الحقيقي والزائف.
شكسبير حاضر… لكن الجمهور غائب!
نعم، لدينا مسارح تفتح أبوابها، ونعم، الخبز موجود في الأسواق. لكن شكسبير لن يعطينا شعباً مثقفاً لمجرد أن المسرح قائم والخبز معروض! شرط شكسبير الأعمق أن يكون الخبز غذاءً للجسد والمسرح غذاءً للروح. أما إذا تحول المسرح إلى مجرد تسلية هامشية، وإلى فضاء للاستعراض وليس للتنوير، وإلى أداة للهروب من الواقع بدل مواجهته، فحتى لو كان شكسبير نفسه حاضراً، لن نصنع نهضة.
والأخطر من ذلك: حين يكون الخبز ملوثاً بالفساد الإداري والمالي، والمسرح أسير سلطة المال والنفوذ، تصبح المعادلة منقلبة: خبز مسموم ومسرح مشوه، ينتجان شعباً مشلولاً. الجمهور العراقي اليوم بحاجة إلى أدب يخاطب عقله قبل قلبه، إلى نصوص تثير فيه روح التحدي لا روح الاستسلام، إلى كتاب لا يخشون أحداً إلا الله وضمائرهم.
الطريق إلى نهضة أدبية مجتمعية
من هنا، تبرز ضرورة إعادة الاعتبار للأدب الرسالي في العراق. ليس الأدب المتكئ على أريكة السياسة، ولا الأدب الحانق على كل شيء، بل الأدب النقدي البنّاء، الذي يرى المشكلة ويقترح الحل، الذي يكشف الجرح ويشير إلى موضع الدواء.
مقترحات للنهوض:
1. إعادة تعريف دور الأديب: يجب أن يدرك الأديب العراقي أنه ليس مجرد منتج للجمال، بل هو شريك في صناعة الوعي الجمعي. عليه أن يخرج إلى الجمهور، يلتقي به، يستمع له، ويكتب عنه ومن أجله.
2. تدريس الأدب كأداة تغيير: في مناهجنا التعليمية، ما زال الأدب يُدرس كمجرد تاريخ وبلاغة. حان الوقت لتعليم الأدب كوسيلة لفهم الذات والمجتمع، وتحليل الظواهر، وتنمية الحس النقدي.
3. دعم الإبداع الجاد: على المؤسسات الثقافية أن توقف دعمها للأدب السطحي المستورد، وتستثمر في الأدب المحلي الناقد الجريء، الذي يتناول القضايا المصيرية: الفساد، الهوية، حقوق المرأة، الفقر، الطائفية.
4. ربط الأدب بالفعل المجتمعي: لا يكفي أن يكتب الأديب عن الفقر، بل عليه أن ينخرط في مبادرات مجتمعية لمحاربته. الأدب المتقوقع داخل النصوص يصير مجرد زينة، بينما الأدب الفاعل يصير وقوداً للتغيير.
ليت شعري…!
في العراق اليوم، نحتاج إلى أدباء يتحلون بشجاعة شكسبير، وحكمة ابن خلدون، وصراحة الجواهري، وعذوبة السياب. نحتاج إلى أدب يعيد صياغة ما تبقى من الخبز والمسرح، فيصير الخبز مشبعاً بالعدالة، والمسرح مشتعلاً بالوعي. ليت شعري، متى يدرك الأديب العراقي أن نهضة الأدب تبدأ به أولاً، بتجريده نفسه من أوهام العزلة والغرور، ونزوله إلى ساحة المعركة الأخلاقية، ليكتب بالدم لا بالحبر، وليصوغ بالحياة لا بالكلمات؟
عندها فقط، سيتحقق وعد شكسبير، وسنرى شعباً مثقفاً يقرأ بعين العقل، وينظر بقلب الشاعر، ويمشي بقدم الثائر، ويبني بيد البنّاء. أما قبل ذلك، فسنبقى نردد مع المتنبي:
وما نيل المطالب بالتمني
لكن تؤخذ الدنيا غلاباً
فهل من أديب يغالب الفساد بالكلمة؟ وهل من جمهور يقبل التحدي بالقراءة؟ الأيام وحدها كفيلة بأن تجيب، والأدب ينتظر فارساً ينهض به من كبوته… فهل من مجيب؟


