• Home  
  • أزمة القيادة في مجتمعنا.. لماذا يندر القادة؟
- فكر ودراسات

أزمة القيادة في مجتمعنا.. لماذا يندر القادة؟

أ. د. ساجد الشرقي القيادة ليست منصباً، ولا سلطة، ولا قدرة على إصدار الأوامر، بل هي فعل تأثير طويل الأمد، يقوم على تحويل الفوضى إلى اتجاه، والخوف إلى دافع، والإمكانات المبعثرة إلى مشروع واضح. فكل مدير يستطيع أن يدير ما هو قائم، لكن القائد الحقيقي هو من يستطيع أن يرى آفاقاً لم توجد بعد، ثم […]

أ. د. ساجد الشرقي

القيادة ليست منصباً، ولا سلطة، ولا قدرة على إصدار الأوامر، بل هي فعل تأثير طويل الأمد، يقوم على تحويل الفوضى إلى اتجاه، والخوف إلى دافع، والإمكانات المبعثرة إلى مشروع واضح. فكل مدير يستطيع أن يدير ما هو قائم، لكن القائد الحقيقي هو من يستطيع أن يرى آفاقاً لم توجد بعد، ثم يقنع الآخرين بالسير نحوها.

ولهذا يمكن القول إن الإدارة تهتم غالباً بالحفاظ على النظام، بينما تهتم القيادة بصناعة المعنى والاتجاه. فالإدارة تسأل: كيف ننجز العمل؟ أما القيادة فتسأل: لماذا نقوم به؟ وإلى أين نمضي؟

ومن هنا تتشكل العناصر الجوهرية التي تصنع القائد، وهي ليست صفات معزولة، بل منظومة متكاملة تتفاعل فيما بينها، وكل خلل في أحدها ينعكس على البقية. وعليه لابد أن تتوفر في القائد ثمانية عوامل أساسية، ما عداها لا يتعدى كونه إدارة، وهي:

أولاً – تحديد الاتجاه:

القائد الذي لا يعرف وجهته يتحول إلى مجرد متابع، لذا فإن أول وظيفة للقائد هي تحديد الاتجاه، لأن الجماهير لا تبحث دائماً عن الأقوى، بل عن الأوضح رؤية. فالناس قد تتحمل صعوبة الطريق، لكنها لا تتحمل الضياع. القائد الحقيقي لا يتحرك بردود الأفعال فقط، بل يمتلك بوصلة فكرية تحدد:

– أين نحن؟

– لماذا تأخرنا؟

– ماذا نريد؟

– كيف نصل؟

ولهذا سقطت كثير من المؤسسات، ليس بسبب نقص الموارد، بل بسبب غياب الاتجاه. مثال: “اليابان بعد الحرب العالمية الثانية كانت دولة مدمرة بالكامل، لكن القيادة هناك حددت اتجاهاً واضحاً هو التحول من القوة العسكرية إلى القوة الصناعية والمعرفية”، فصنعت خلال عقود واحدة من أعظم التجارب الاقتصادية في العالم.

ثانياً – دراسة الواقع:

لا يمكن قيادة مجتمع دون الإلمام به ومعرفته، إذ بعض القادة يعيشون داخل أوهامهم، لذلك يفشلون عند أول احتكاك بالحقيقة. القائد لا يبني قراراته على الانطباعات، بل على قراءة الواقع بكل تناقضاته.

ودراسة الواقع تعني: فهم البيئة الاجتماعية، معرفة موازين القوة، تشخيص نقاط الضعف، قراءة الفرص والتهديدات، ثم فهم عقلية الناس وحاجاتهم.

فالقائد الذي لا يفهم مجتمعه سيقود الناس إلى معارك لا يريدونها، أو مشاريع لا يؤمنون بها. مثال: “كثير من الإصلاحات السياسية والاقتصادية في العالم فشلت، ليس لأنها خاطئة نظرياً، بل لأن القيادة حاولت تطبيق نماذج لا تنسجم مع واقع المجتمع وثقافته”.

ثالثاً – عامل الرؤيا:

القيادة هي القدرة على رؤية ما لا يراه الآخرون، والرؤيا هنا ليست حلماً رومانسياً، إنما صورة مستقبلية واضحة تجعل الناس يشعرون أن الغد أفضل من الحاضر. فالقائد بلا رؤيا يتحول إلى موظف كبير يدير يوميات متكررة. أما القائد صاحب الرؤيا فيخلق حالة إيمان جماعي بالمستقبل.

الرؤيا الناجحة يجب أن تكون: واقعية لكنها طموحة، واضحة وقابلة للتطوير، إنسانية ليست مادية فقط، فضلاً عن أنها قابلة للتحويل إلى أهداف عملية.

مثال: “جعل التكنولوجيا جزءاً من الحياة اليومية، بدا الأمر خيالياً، لكنه صنع واحدة من أكبر الثورات التقنية في العصر الحديث”.

رابعاً – الخطة:

حيث الرؤيا بلا خطة مجرد أمنيات. كثيرون يمتلكون الأحلام، لكن القليل يمتلكون القدرة على تحويلها إلى خطوات عملية. الخطة هي الجسر بين الفكرة والإنجاز، وهي التي تجيب عن: ماذا سنفعل؟ متى؟ من المسؤول؟ ما الموارد؟ ما البدائل؟ كيف نقيس النجاح؟

القائد الناجح لا يعتمد على الحماس وحده، لأن الحماس يشتعل بسرعة وينطفئ بسرعة، بينما التخطيط يصنع الاستمرار. هناك قاعدة إدارية مهمة: “الرؤيا تحدد المستقبل، لكن الخطة تحمي المشروع من العشوائية”.

خامساً – القدرة على التنظير:

القائد ليس منفذاً فقط، بل يجب أن يكون منتج أفكار. التنظير هنا لا يعني الكلام المجرد، بل القدرة على تفسير الواقع وصياغة الأفكار وصناعة المفاهيم. فالذي لا يمتلك إطاراً فكرياً سيتحول إلى تابع لأفكار الآخرين.

أما القائد المفكر فهو من ينتج خطاباً قادراً على: 1- تفسير الأزمات، 2- إقناع الناس، 3- بناء الهوية، 4- خلق الشرعية الفكرية للمشروع.. إلخ. ولهذا كانت أعظم القيادات في التاريخ تمتلك بعداً فكرياً وثقافياً، وليس مجرد نفوذ إداري.

سادساً – الطموح:

لا قيادة بلا شغف لتجاوز المعرقلات، إذ إن الطموح هو الطاقة الداخلية التي تمنع القائد من الرضا بالحلول المؤقتة. لكن الطموح نوعان: طموح شخصي يبحث عن المجد الفردي، وطموح حضاري يريد بناء مشروع أكبر من الشخص نفسه، والنوع الثاني هو الذي يصنع القادة الحقيقيين.

وهنا تبرز إشكالية مهمة: حين يتحول الطموح إلى نرجسية، تبدأ القيادة بالانهيار، لأن القائد يصبح مشغولاً بصورته أكثر من مشروعه.

سابعاً – العقل المنفتح:

حيث القائد الذي لا يسمع يتحول إلى ديكتاتور. والعقل المنفتح لا يعني التخلي عن المبادئ، بل القدرة على: 1- الاستماع، 2- تقبل النقد، 3- مراجعة الأخطاء، 4- التعلم المستمر، 5- فهم اختلاف البشر.. إلخ.

فالقيادة ليست استعراض يقين دائم، بل قدرة مستمرة على التطور. مثال: “أغلب المؤسسات التي انهارت كانت تمتلك قيادات مغلقة تعيش داخل دائرة المديح، حتى فقدت القدرة على رؤية الأخطاء اللاحقة”.

ثامناً – تحديد الأهداف بدقة:

لأن الغموض يقتل المشاريع، والهدف الغامض يصنع جهداً ضائعاً، أما الهدف الواضح فيحول الطاقات إلى نتائج. والأهداف الناجحة يجب أن تكون: واضحة، قابلة للقياس، محددة بزمن، مرنة عند المتغيرات، منسجمة مع الرؤيا الكبرى. وهنا القائد الناجح لا يكتفي بالشعارات الكبرى، بل يحولها إلى مراحل وإنجازات واقعية.

الفرق بين القائد والمدير: الأول يصنع المستقبل، في حين الثاني يدير الواقع. فضلاً عن أن المدير يدافع عن النظام ويعتمد على السلطة، في حين القائد يعتمد على التأثير.

وعليه، فإن أزمة القيادة في مجتمعاتنا من أخطر مشكلات الواقع العراقي؛ إذ إن كثيراً من المواقع القيادية تدار بعقلية إدارية لا قيادية. فثمة من يمتلك السلطة لكنه لا يمتلك الرؤيا، ومن يمتلك المنصب لكنه عاجز عن صناعة مشروع.

ولهذا تتكرر الأزمات نفسها، من بينها: غياب التخطيط، هيمنة ردود الأفعال، الشخصنة، ضعف صناعة القرار، الخوف من الكفاءات، غياب التفكير الاستراتيجي. فالقيادة الحقيقية لا تنتجها الصدفة، بل تُبنى عبر المعرفة والخبرة والانفتاح والتدريب المستمر.

وختاماً يمكن القول: إن القائد الحقيقي ليس من يقود الناس فقط، بل من يجعلهم قادرين على قيادة أنفسهم لاحقاً. وليس أعظم القادة من يفرض حضوره بالقوة، بل من يترك أثراً يستمر بعد غيابه.

فالقيادة في جوهرها ليست امتلاك الجماهير، بل امتلاك الرؤية والقدرة على تحويل القلق الجمعي إلى مشروع نهوض. وحين يجتمع وضوح الاتجاه مع فهم الواقع والرؤيا والخطة والعقل المنفتح والطموح الواعي، يولد القائد الذي لا يدير الحاضر فقط، بل يعيد تشكيل المستقبل.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026