- أخبار

العراق.. هل يمهد تراجع “الميليشيات” لفراغ أمني أم لإعادة ترتيب السلطة؟

مع اشتعال المواجهات المباشرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لم يبقَ العراق بمنأى عن التداعيات. بل تحول إلى ساحة ساخنة للتصفيات الجسدية والضربات الاستخباراتية، مستهدفةً العمود الفقري للنفوذ الإيراني في البلاد، الحشد الشعبي. ففي غضون أيام، اغتيل قادة كبار، وتعرّضت مقرات لهجمات دقيقة، وسط صمت رسمي حذر من بغداد ورسائل […]

مع اشتعال المواجهات المباشرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لم يبقَ العراق بمنأى عن التداعيات. بل تحول إلى ساحة ساخنة للتصفيات الجسدية والضربات الاستخباراتية، مستهدفةً العمود الفقري للنفوذ الإيراني في البلاد، الحشد الشعبي. ففي غضون أيام، اغتيل قادة كبار، وتعرّضت مقرات لهجمات دقيقة، وسط صمت رسمي حذر من بغداد ورسائل متباينة من واشنطن وطهران. هذا التقرير يحلل تداعيات تراجع الحشد على الأمن والسياسة، خصوصًا على المكون السني، ومستقبل الدولة العراقية.

أولاً: اغتيالات الجادرية – ضربة استخباراتية غير مسبوقة

في 17 من شهر مارس 2026. استهدف هجوم جوي أو صاروخي دقيق منزلًا في منطقة الجادرية الراقية وسط بغداد. أسفر الهجوم عن مقتل 6 أشخاص. والضحايا كانوا يمثلون “العقل المدبر” للتنسيق اللوجستي والعسكري بين الحرس الثوري الإيراني وفصائل الحشد.

ثانيًا: وقف إطلاق نار غير معلن.. انتهى؟

وفقًا لمصادر مطلعة، كان هناك تفاهم غير معلن يقضي بـعدم استهداف الفصائل للمصالح الأمريكية في العراق وسوريا، مقابل عدم استهداف الولايات المتحدة أو إسرائيل لمقرات الحشد.

لكن هجوم الجادرية، إلى جانب ضربات أخرى في محافظات مختلفة (بابل، ديالى، صلاح الدين)، يشير إلى انهيار هذا التفاهم، وعودة سياسة “الاغتيالات الوقائية” التي تتبعها إسرائيل وأمريكا ضد قادة النفوذ الإيراني.

ثالثًا: زيارة السوداني لمقر الحشد – رسائل مزدوجة

في خطوة لافتة، توجه رئيس الوزراء محمد شياع السوداني إلى المقر الرئيسي للحشد الشعبي في بغداد، وعقد اجتماعًا مع فالح الفياض (رئيس هيئة الحشد) وقادة أمنيين. خلال الزيارة، أدان الهجمات على الحشد ووصفها بأنها استهداف للأمن الوطني. وأكد أن الحشد ركيزة أساسية في المنظومة الأمنية، ويتمتع بغطاء قانوني ودستوري. وشدّد على أن الدولة هي المرجعية الوحيدة للسلاح، في إشارة غير مباشرة لضبط الفصائل الخارجة عن القيادة الرسمية.

رابعًا: الموقف الأمريكي – عام “إنهاء الميليشيات”

منذ مطلع عام 2026، صعدت واشنطن من لهجتها تجاه الحشد الشعبي والفصائل المسلحة الموالية لإيران. في تصريح حاسم، قال مارك سافايا (المبعوث الأمريكي الخاص إلى العراق): “نهدف إلى جعل عام 2026 عام إنهاء الميليشيات والسلاح غير المنضبط والتدخلات الخارجية في العراق.” واتهم سافايا هذه الجماعات بنشر الفساد وإضعاف سلطة الدولة، مؤكدًا التزام واشنطن بمواجهة “القوات الأمنية الموازية للدولة”.

وفي 23 مارس 2026، أصدرت السفارة الأمريكية في بغداد تحذيرًا نادرًا، وصفت فيه الجماعات الموالية لإيران بأنها “ميليشيات إرهابية” قد تبدأ هجمات واسعة، داعية المواطنين الأمريكيين إلى مغادرة العراق فورًا.

كما كرر مسؤولون في البنتاغون والقيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) أن العمليات العسكرية ضد فصائل ومقار الحشد ستستمر كـ “إجراء دفاعي وردّ على الهجمات”.

خامساً: ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحشد والعراق

1. إعادة هيكلة الحشد تحت مظلة الدولة. وقد تنجح الحكومة في دمج جميع الفصائل ضمن مؤسسة أمنية رسمية، مع حل الميليشيات المستقلة، بضغط أمريكي وإيراني مشترك وهو غير مرجح حاليًا على الأقل، نظراً لما وصلت إليه الأمور.

2. تحول الحشد إلى حرب عصابات بعد اغتيال القيادات، قد ترد الفصائل بهجمات انتقامية على المصالح الأمريكية وحلفائها، مما يدخل العراق في دوامة عنف طويلة.

3. انسحاب تدريجي للنفوذ الإيراني، وهو سيناريو منخفض التنفيذ لكنه ممكن، إذا استمرت الضربات الإسرائيلية – الأمريكية وتراجعت القدرة الإيرانية على دعم وكلائها، قد يضطر الحشد إلى الانكماش، تاركًا فراغًا تملؤه الدولة بصعوبة.

في ضوء هذا المشهد المتأزم، ماذا يمكن أن يقوم به العراق. لربما استطاع حسم ولاء السلاح وإصدار قانون واضح يجعل جميع الفصائل المسلحة إما تابعة للقائد العام للقوات المسلحة أو تُحل، مع منح مهلة زمنية مدعومة بضمانات مالية وسياسية. وملء الفراغ الأمني في المناطق السنية، من خلال نشر قوات من الشرطة المحلية والعشائر المدعومة من بغداد، مع توفير تدريب وتسليح تحت إشراف التحالف الدولي. وتهدئة خارجية والدفع نحو حوار إقليمي غير مباشر بين واشنطن وطهران لرسم “قواعد اشتباك” في العراق، تمنع تحوله إلى ساحة حرب بالوكالة. ودعم الاقتصاد المحلي في مناطق النفوذ، عبر تقليل الاعتماد على الميليشيات في توفير الخدمات (التي تستخدمه كورقة نفوذ) عبر إعادة إعمار المدن السنية وخلق فرص عمل.

من يملأ الفراغ؟

اغتيال يعض من قادة الحشد في الجادرية لم يكن مجرد عملية نوعية، بل كان إعلانًا عن بدء مرحلة جديدة في الصراع العراقي – الإقليمي. مع تراجع الحشد، تتسع الفجوة الأمنية والسياسية التي قد تؤدي إلى أحد أمرين: إما أن تنتهز الدولة العراقية الفرصة لتثبيت سيادتها وسلاحها المنضبط، وإما أن تنزلق البلاد إلى فوضى أوسع، حيث تتنافس الميليشيات المتبقية، والعشائر السنية، والقوى الكردية، وحتى فلول داعش على ملء الفراغ. الملفت أن السنة في العراق قد يجدون أنفسهم فجأة أمام مسؤولية تاريخية: إما بناء نموذج محلي لإدارة الأمن والخدمات يضمن استقرار مناطقهم، أو أن يدفعوا ثمن غياب الحشد كـ”حاجز” واقٍ، وإن كان غير مرغوب فيه. الأيام القادمة ستكشف ما إذا كان العراق سينتقل من نظام المحاصصة الطائفية المسلحة إلى دولة القانون، أو سيسقط في مستنقع جديد من العنف.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026