في ظل التصعيد العسكري المتسارع بين محور (إسرائيل والولايات المتحدة) وإيران، لم يعد الخطر مقتصرًا على الجبهات العسكرية فحسب، بل امتد ليهز أركان الاقتصاد العراقي الهش أصلاً. فالدولة التي تعتمد بنسبة تفوق 90% على عائدات النفط، وتُعدّ “دولة مستهلكة” بامتياز، تقف اليوم على شفا جرف خطر؛ حيث تتداخل اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية مع انغلاق ممرات التجارة الإقليمية، مما ينذر بأزمة معيشية طاحنة قد تطال كل بيت عراقي.
أولاً: النفط.. شريان الحياة المسدود؟
يُشكل النفط العمود الفقري للموازنة العامة العراقية. أي تصعيد عسكري في منطقة الخليج يحمل تهديدًا وجوديًا مزدوجًا:
1. خطر الإغلاق المباشر: احتمالية استهداف منشآت التصدير أو إغلاق مضيق هرمز (الممر الذي يعبر منه نحو 20% من نفط العالم) سيوقف تدفق الإيرادات فورًا.
2. تكاليف التشغيل الفلكية: حتى في حال استمرار التدفق، فإن ارتفاع أقساط التأمين على الناقلات وتكاليف الشحن بسبب “خطورة المنطقة” سيلتهم جزءًا كبيرًا من صافي الأرباح.
فغياب البدائل اللوجستية القادرة على تعويض حجم الصادرات عبر الأنابيب (مثل خط كركوك-جيهان غير المستقر أو الخطوط نحو الأردن وسوريا ذات السعات المحدودة) يجعل العراق رهينة كاملة لاستقرار الممرات البحرية، مما يضع الحكومة أمام عجز مالي متوقع قد يعطل رواتب الموظفين ومشاريع التنمية.
ثانياً: أزمة الطاقة والكهرباء.. الاعتماد القاتل
تعتمد شبكة الكهرباء العراقية بشكل حرج على الجار الشرقي. تُورد إيران للعراق ما يقارب 1200 ميغاواط من الكهرباء، بالإضافة إلى الغاز اللازم لتشغيل المحطات المحلية، بقيمة سنوية تناهز 4 مليارات دولار.
* سيناريو الانقطاع: توقف هذه الإمدادات لن يؤدي فقط إلى ظلام دامس، بل سيضرب القلب النابض للاقتصاد الحقيقي؛ المصانع والمنشآت الصناعية ستتكبد خسائر فادحة بسبب توقف الإنتاج، مما يرفع تكلفة السلعة المحلية ويدفع نحو البطالة المقنعة.
* البديل المستحيل: لا تملك العراق حاليًا البنية التحتية أو الاحتياطي الاستراتيجي من الوقود لتعويض هذا العجز المفاجئ خلال فترة زمنية قصيرة، مما يجعل قطاع الكهرباء الحلقة الأضعف في سلسلة الصمود الاقتصادي.
ثالثاً: الأمن الغذائي تحت المجهر.. من الاستقرار الوهمي إلى شبح المجاعة
العراق دولة زراعية بمساحات شاسعة (21 مليون هكتار)، لكن الواقع المرير يشير إلى استغلال أقل من ثلثها (6.6 ملايين هكتار فقط)، مما فرض اعتمادًا كارثيًا على الاستيراد بنسب تتراوح بين 70% إلى 85% من الاحتياجات الغذائية.
رابعاً: قطاع الإعمار.. توقف المشاريع وارتفاع تكاليف البناء
إيران ليست مجرد جار سياسي، بل هي الشريك التجاري الأول غير النفطي للعراق، بحجم تبادل تجاري رسمي يبلغ 12 مليار دولار (وقد يصل غير رسمي إلى 15 مليارًا).
* المواد الاستراتيجية: تعتمد السوق العراقية بشكل شبه كلي على الإيراني في مواد حيوية مثل (الحديد، الإسمنت، السيراميك، البلاستيك، والبلاط).
* الأثر المباشر: أي شلل في المعابر الحدودية أو توقف التبادل التجاري سيؤدي إلى ندرة فورية في مواد البناء، توقف مشاريع الإعمار الحكومية والأهلية، وارتفاع مهول في تكاليف السكن، مما يجهض أي آمال في إعادة إعمار المناطق المحررة أو تطوير البنى التحتية.
خامساً: المتغيرات الخفية
لتكتمل الصورة المهنية للتقرير، يجب الانتباه إلى عوامل أخرى تتفاقم بسبب الحرب:
1. سعر الصرف الموازي: في أوقات الحروب، يلجأ المواطنون والتجار إلى تخزين الدولار، مما يوسع الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي، ويسرع من انهيار قيمة الدينار، وهو المحرك الرئيسي للتضخم المستورد.
2. الهروب من الاستثمار: بيئة عدم اليقين تدفع المستثمرين الأجانب والمحليين إلى تجميد مشاريعهم، خوفًا من تدمير الأصول أو صعوبة تحويل الأرباح، مما يدخل الاقتصاد في ركود طويل الأمد حتى بعد انتهاء القتال.
3. النزوح الداخلي: في حال امتداد رقعة القتال لتشمل مناطق حدودية أو نفطية، قد نشهد موجات نزوح جديدة تزيد العبء على الخدمات الحكومية وتخلق بؤر فقر جديدة.
نحو خطة طوارئ وطنية
إن الاقتصاد العراقي، بتركيبة أحادية الجانب واعتماده الكبير على الجوار الإقليمي، هو الأكثر عرضة للصدمات في هذه المعادلة. التصريحات الرسمية بأن “الأمن الغذائي مستقر” قد تكون صحيحة في المدى القصير جدًا بفضل المخزون الاستراتيجي، لكنها لا تعكس خطورة الأفق المتوسط والبعيد.
الحاجة ماسة الآن إلى:
* تفعيل خطط طوارئ حقيقية لتنويع مصادر الاستيراد بعيدًا عن منطقة الصراع.
* ضخ احتياطيات استراتيجية من الوقود والغذاء تتجاوز الفترة الزمنية المتوقعة للأزمة.
* مراقبة صارمة لسوق الصرف لمنع المضاربة الجنونية.
بدون تحرك استباقي وحكيم، قد تتحول تداعيات الحرب الإقليمية من مجرد “ارتفاع في الأسعار” إلى أزمة إنسانية واقتصادية شاملة تعيد عقارب الساعة في العراق سنوات إلى الوراء.


