حزب وُلد قبل الدولة
في مثل هذه الأيام من عام 1934، وتحديدًا في 31 مارس، وُلد الحزب الشيوعي العراقي، ليكون أول حزب سياسي منظم في تاريخ العراق الحديث. ولد الحزب في زمن كانت فيه السيطرة البريطانية تخنق البلاد، والمجتمع منقسم بين إقطاع متجبر وطبقة عاملة ناشئة، وسياسة طائفية بدأت تتشكل معالمها الأولى. لم يكن الحزب مجرد تنظيم سياسي، بل كان مدرسة في التنظيم، ومشروعًا حداثيًا طموحًا، وخيارًا لمن آمن بأن العدالة الاجتماعية والمواطنة المتساوية هما الطريق الوحيد لنهضة العراق.
اليوم، وبعد 92 عامًا من ذلك التأسيس، يقف الحزب الشيوعي العراقي أمام محطات مصيرية، في بلد يتخبط بين أزمات متراكمة، وتدخلات إقليمية، وصراع على النفوذ، وانقسام في المشهد السياسي. فما هي التحديات التي تواجه أعرق قوى اليسار في العراق؟ وما هي المسؤوليات الملقاة على عاتقه في ظل انهيار الثقة بالنخب السياسية وتفكك النسيج الوطني؟
قبل الحديث عن الراهن، لا بد من استحضار محطات أساسية في مسيرة الحزب، لأنها تشكل جزءًا من ذاكرة العراقيين، ولا يمكن فهم موقعه الحالي دونها:
– المرحلة الأولى (1934–1958): حرب سرية تحت الأرض ضد النظام الملكي والهيمنة البريطانية. الحزب كان صوت العمال والفلاحين والمثقفين التقدميين، ودفع ثمنًا باهظًا من الاعتقالات والإعدامات.
– ثورة 14 تموز 1958: شريك أساسي في التحالف الوطني مع عبد الكريم قاسم، وشهد نفوذًا واسعًا، لكن سرعان ما انقلبت الموازين مع وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963، حيث شهد الحزب أبشع حملات الاضطهاد والتصفيات.
– عقود الديكتاتورية (1968–2003): نضال مرير تحت الأرض، وتحول بعض فصائله إلى معارضة مسلحة في الشمال.
– بعد 2003: خيار المشاركة السياسية، والتحالف مع قوى شيعية (كائتلاف المواطن، ثم تحالف سائرون مع مقتدى الصدر)، والدخول في لعبة المحاصصة السياسية التي كان أشد المنتقدين لها في السابق.
هذا الإرث الطويل يضع الحزب اليوم أمام مفارقة كبرى: كيف يحافظ على طابعه اليساري التحرري، وهو يخوض غمار تحالفات مع قوى دينية وسياسية تختلف معه في الرؤية حول الدولة والمجتمع؟
مسؤوليات الحزب في المرحلة المقبلة في ظل هذه التحديات، يمكن تحديد خمس مسؤوليات كبرى يجب أن يضطلع بها الحزب في الذكرى 92:
1. مراجعة نقدية صادقة لتجربة التحالفات. إذ، من دون مراجعة جريئة وشفافة لتجربة المشاركة في الحكومات والتحالفات، سيبقى الحزب أسير تناقضات لا تخدم مشروعه. لا يعني ذلك الانسحاب من العمل السياسي، بل صياغة قواعد شراكة واضحة تضمن عدم الذوبان في تحالفات تفرغ اليسار من محتواه.
2. العودة إلى الجذور: النقابات، المجتمع المدني، القاعدة الشعبية. إذ، لا يمكن لأي حزب سياسي أن يعيش على العلاقات البرلمانية وحدها. الحزب بحاجة ماسة إلى إعادة بناء حضوره في النقابات العمالية، ونقابات الفلاحين، والاتحادات الطلابية، ومنظمات المجتمع المدني. فغياب القاعدة يجعل أي وجود سياسي هشًا.
3. قيادة مشروع وطني جامع ضد التقسيم والمحاصصة. العراق يعيش أزمة هوية وطنية عميقة. الحزب الشيوعي، بصفته القوة الأكثر إيمانًا بالمواطنة المتساوية، يمكنه أن يكون رأس حربة في معركة إعادة بناء الدولة المدنية القائمة على القانون والمساواة. لكن هذا يتطلب خطابًا شجاعًا يواجه الإرادات الطائفية والعرقية.
4. تبني قضايا الشباب والمرأة بعمق، لا شكليًا. شباب العراق ليسوا بحاجة إلى شعارات ثورية، بل إلى سياسات عملية توفر فرص عمل، وحماية اجتماعية، وحقوقًا ثقافية. الحزب يجب أن يضع ملفات الشباب والمرأة والبيئة والمناخ على رأس أولوياته البرامجية، مع ترجمتها إلى مبادرات تشريعية وتنفيذية.
92 عامًا… نحو مائة عام أخرى أم نهاية الطريق؟
الحزب الشيوعي العراقي ليس مجرد حزب، بل هو جزء من ذاكرة العراق الحديث. من خلاله تعلم العراقيون معنى التنظيم، وأدركوا أن العدالة الاجتماعية ليست شعارًا، وخاضوا معارك التحرر الوطني والطبقي. لكن إرث الماضي لا يكفي لضمان المستقبل.
اليوم، وبعد 92 عامًا، يقف الحزب أمام خيارات صعبة: إما أن يكون قوة تجديد وإصلاح حقيقي، يعيد اكتشاف دوره في بلد منهك بالأزمات، وإما أن يتحول إلى ظلّ لذاته، يحتفل بذكراه كل عام دون أن يملك إجابة عن أسئلة الجيل الجديد.
الذكرى 92 هي لحظة وقفة مراجعة، وليست لحظة احتفالات فارغة. لأن مستقبل اليسار في العراق ليس مضمونًا بقدم تاريخه، بل بصدق رهاناته في الحاضر. فهل يملك الحزب الشيوعي اليوم الشجاعة ليكون كما كان دائمًا: صوتًا لا يخاف، ونبراسًا لا ينطفئ؟
تحية للنضال الطويل، وتحية لأجيال المناضلين الذين حملوا الراية في الظلام، وأملًا بأن يظل العراق هو البوصلة.


