• Home  
  • الحقيقة التي لا يريدها أحد
- فكر ودراسات

الحقيقة التي لا يريدها أحد

بسام البديري منذ آلاف السنين والإنسان يبحث عن الحقيقة لكن المفارقة الكبرى، أن أكثر ما يخشاه الإنسان هو أن يعثر عليها. فالحقيقة لا تُجامل ولا تمنح الامتيازات ولا تُراعي المصالح، ولذلك كانت عبر التاريخ، أول ضحايا السلطة، وأول ضحايا الجماهير أيضًا. قال الفيلسوف اليوناني سقراط إن الحياة التي لا تُمحَّص لا تستحق أن تُعاش.. لم […]

بسام البديري

منذ آلاف السنين والإنسان يبحث عن الحقيقة لكن المفارقة الكبرى، أن أكثر ما يخشاه الإنسان هو أن يعثر عليها.

فالحقيقة لا تُجامل ولا تمنح الامتيازات ولا تُراعي المصالح، ولذلك كانت عبر التاريخ، أول ضحايا السلطة، وأول ضحايا الجماهير أيضًا.

قال الفيلسوف اليوناني سقراط إن الحياة التي لا تُمحَّص لا تستحق أن تُعاش..

لم يكن يدعو إلى الشك من أجل الشك بل إلى مساءلة كل ما اعتدناه. ولهذا السبب دفع حياته ثمنًا لكلمة لأن المجتمعات كثيرًا ما تغفر الخطأ لكنها لا تغفر لمن يكشفه.

وفي القرن العشرين قدّم جورج أورويل صورة مرعبة لعالمٍ لا تُزوَّر فيه الوقائع فقط، بل تُصنع فيه الحقائق على مقاس السلطة.

ولم تكن عبقرية أورويل في التنبؤ بالمستقبل، بل في فهم طبيعة الإنسان عندما يتنازل عن حقه في التفكير المستقل.

أما حنة آرنت فقد رأت أن أخطر ما يمكن أن يحدث للمجتمع ليس انتشار الكذب وإنما اعتياد الناس عليه حتى يفقدوا قدرتهم على التمييز بين الحقيقة والوهم. عندها يصبح الكذب جزءًا من الحياة اليومية ويغدو الصدق تصرفًا استثنائيًا.

وقال فريدريك نيتشه إن الإنسان أحيانًا يرفض الحقيقة لأنها تهدم الأوهام التي يعيش عليها. فالوهم قد يمنح راحة مؤقتة أما الحقيقة فتفرض مسؤولية ولهذا يهرب منها كثيرون.

ولعل ألبير كامو كان أكثر وضوحًا عندما اعتبر أن مهمة الكاتب ليست الوقوف مع الأقوياء، بل الوقوف مع الحقيقة، حتى وإن بقي وحيدًا. فالكاتب الذي يكتب ما يُرضي الجميع قد يربح التصفيق لكنه يخسر احترام ضميره.

إننا نعيش زمنًا أصبحت فيه الحقيقة تُقاس بعدد المشاركات والإعجابات لا بقوة الأدلة. فإذا كرر آلاف الأشخاص معلومة خاطئة اكتسبت في نظر البعض شرعيةً لا تستحقها. وهكذا أصبحت الشهرة بديلًا عن البرهان والضجيج بديلًا عن العقل.

إن الأزمة الحقيقية ليست في وجود الكذب فقد وُجد منذ بداية التاريخ، وإنما في استعداد الإنسان لتصديق ما يوافق رغباته حتى لو خالف المنطق والواقع. ولذلك فإن أخطر أنواع الرقابة ليست تلك التي تمنعك من الكلام بل تلك التي تجعلك تخاف من التفكير.

لقد علّمنا الأدب العالمي أن الحقيقة ليست ملكًا لأحد وأن البحث عنها رحلة لا تنتهي.

وكل كتاب عظيم من فيودور دوستويفسكي إلى غابرييل غارسيا ماركيز لم يكن يقدم حقائق نهائية بل كان يدفع القارئ إلى إعادة النظر في نفسه وفي العالم من حوله.

إن الحضارات لا تنهار عندما يكثر فيها الجهل فقط بل عندما يصبح السؤال جريمة والنقد خيانة والاختلاف تهديدًا. فالمجتمع الذي يخاف من الحقيقة يحكم على نفسه بالبقاء أسيرًا للوهم.

ولهذا فإن أعظم انتصار يحققه الإنسان ليس أن ينتصر في جدال، بل أن يمتلك الشجاعة لتغيير رأيه عندما تظهر له الحقيقة.

فالحقيقة لا تحتاج إلى من يصفق لها بل إلى من يملك الجرأة على قبولها حتى عندما تكون مؤلمة.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026