
محمد الأمارة
أمل: هل … شاهدت ما الذي جرى؟ … لقد حلت عليه المصيبة. لقد جاءته المنية وهو على فراشي.
– تبتلع دموعها التي ذرفت بغزارة، وتشعر بملوحتها المفرطة.
أمل: بعد أن استشهدت يا حبيبي… ضاقت بنا الدنيا… وتقلصت كل فرص الحياة لدينا، والتي كنت أنت توفر لنا مستلزماتها… وأصبحت الحياة مُرَّةً وصعبةً في أن أجد فيها لقمة العيش للأولاد، حالي حال كل النساء اللاتي استشهد أزواجهن في الحرب. لقد حاولت أن أبيع في السوق ما كنت تبيعه أنت من خضروات، أجني منها بعض الدنانير. لكن السيارات المفخخة والعبوات الناسفة كانت تخيفني وترعبني، كلما سقطت مجموعة من الناس في كل يوم كخراف مذبوحة من الوريد إلى الوريد. أشعر أن الدور قد جاءني لأكون إحدى تلك الخرفان. فانزويت في داري خائفةً، مثلما خاف ناس كثيرون تلك المناظر البشعة.
– تتحرك وتنظر نحو السرير حيث (عبد الحميد) مسجًّى بلا حركة أو نفس. لطمت خديها مرة أخرى.
أمل: جاءني هذا الرجل الطيب، وبدأ يغدق عليه مما فضل الله عليه ويسَّر له من أموال… ثم شكا إليَّ مرض زوجته الدائم، حاله حال كل الرجال ممن يريدون أن يظفروا بامرأة تطارحهم الفراش بزواج غير مكتوب، وبعيدًا عن الأنظار
خلسة.
– بصوتٍ عالٍ وصراخ:
أمل: والآن ماذا عليَّ أن أفعل؟… والرجل عليه أن يغادر إلى بيته…. لكن كيف سيغادر وهو جثة هامدة لا تتحرك؟ أنفاسه توقفت.. حركته في مكانه مرارًا وتكرارًا… ضربتُ خديه لكن دون جدوى لا يتحرك… لقد مات… لقد مات… مات في فراشي. ماذا سأبرر لأهلي، للناس، للجيران، لا أبناء عمومتي؟
– تجلس على الأرض تبكي. تسود الدنيا بعينيها رغم طلوع ضياء الصباح الباكر. ثم تتفاجأ برجل بمعطف أسود ويعتمر قبعة رمادية، ويرتدي نظارات سوداء يقف أمامها. يتقدم نحوها ببطء شديد مخيف أرعبها. لا تعرف كيف دخل هذا الرجل دارها. ربما نسي عبد الحميد باب الدار مفتوحًا بسبب لهفته لها واستعجاله رؤيتها. يسحب الرجل كرسيًا خشبيًا قريبًا منه ويجلس عليه بالعكس، وهو يحدق إليها بثبات. يصفق لها بيديه مبتسمًا.
الرجل: ممتاز… ممتاز… تقتلين الرجل… وتتباكين عليه…
– تضحك أمل مقهقِهةً:
أمل: أي رجل تقصد؟ ومن تكون أنت؟! وكيف دخلت الدار؟!
الرجل: أنا مقدم محمود من الشرطة السرية. كنت مكلفًا بمراقبة (عبد الحميد) منذ فترة، حينما وصلت الشرطة بلاغات من الجيران أنه يتردَّد على هذا البيت كل يوم بعد وقت الفجر. الأدلة كثيرة: امرأة تعيش وحدها في دار صاحبتها التي تُشهدت في انفجار سوق الخضار. والآن هناك جثة رجل في فراشها… أليس هذا دليلاً دامغًا على جُرمك يا سيدتي؟… هذا لوحده يذهب بك إلى حبل المشنقة… فكيف إذا جمعنا أدلة أخرى… ونرسلها إلى معمل الأدلة الجنائية؟
– يتحرك رجل الأمن نحو الأمام ويجد قارورة المنشط على الأرض. يرفعها للأعلى.
رجل الأمن: ما هذا؟… إنها قارورة السم. لقد وقعتِ بفعلتك الشنعاء… أيتها القاتلة الملعونة… لقد كان الرجل يرعاك ويراعي أولادك الصغار… كيف تمكنتِ من فعل كل ذلك بهذا الرجل الوقور؟… ياااا لغدر النساء.
– يتحرك رجل الأمن في المكان.
رجل الأمن: لقد سمعت أنك تحقدين على الرجال… وهذا دليلٌ آخر ضدك… سأرسل كل هذه الأدلة إلى المعمل الجنائي، بما فيها هذا الطعام وقطعة (السيلفون) هذه… وشهادة الرجال ممن تحقدين عليهم من أبناء عمومتك ورجال الجيران.
– تدور أمل في المكان والفزع يملؤها. ترى رجل الأمن وهو ينصب حبل مشنقة ويثبت طرفه في المروحة.
رجل الأمن: لقد حُكم عليه بالموت. وانتهى أمري. طالما خفتِ الموت بالشنق أو الرمي بالرصاص.
أمل: كنت أرجو من ربي دائمًا أن أموت موتةً سهلةً كشربة ماءٍ بارد.
– ينتهي رجل الأمن من نصب المشنقة وهو مبتسم، يقترب منها ويوثق يديها للخلف بحبل خشن بقوة. ويأتي بها عنوةً نحو مكان حبل المشنقة. يسحبها بصعوبة حتى انقطعت أنفاسه، فقد ألصقت جسدها بالأرض رفضًا أن تسير معه نحو حتفها الأخير. ثم يرفعها على (طبلية خشبية) ويضع حبل المشنقة حول رقبتها وهي ترتجف كسعفة نخل في مهب الريح. جسمها غير مستقر فوق (الطبلية)، قد تسقط من عليها في أي لحظة. وبدأت تشعر بالاختناق والسعال وصعوبة التنفس. حركت يديها الموصولتين بقوة، فانفتح الوثاق. رفعت الحبل من رقبتها، ونزلت من الطبلية الخشبية وهي ما زالت تعاني الاختناق. تسقط على الأرض. تنهض من مكانها، تتحرك نحو مغسلة الحمام وترش وجهها بالماء وتمسح على رأسها منه… وهي شاخصة ببصرها إلى الأعلى. تنظر في المكان تبحث عن رجل الأمن في كل الزوايا فلا أثر له، كأنه قد تبخر. تتجه أمل نحو عمود خشبي ضخم هو أحد أربعة أعمدة تحمل شرفة داخلية للدار. تنظر إليه وتتبلع ريقها الذي نشف من العطش. وتتخيله شبيهًا بأعمدة مات عليها الأبطال ممن ضحوا بأنفسهم من أجل شعبهم، وحُكِم عليهم بالإعدام رميًا بالرصاص من قبل جلاديهم في أيام الحكم السابقين.
أمل: أنت أيها الواقف أمامي، بلا حركة، بلا أنفاس، لكن كم من الأنفاس انتهت مربوطةً عليك. بعد أن جاءت شامخة يملؤها العز… لكن رصاص الجبناء أسكت تلك الأنفاس الزكية. إنها الساعة عندما تحين، هكذا يقولون. والآن سأجرب ساعتي التي ربما حانت، لأودع هذه الحياة وأنهي كل كوابيسي الملعونة.
– تقف أمام العمود وتضع يديها خلف ظهرها.
– تنظر يمينًا ويسارًا…
أمل: هيا أيتها الرصاصات انطلقي… هيا أيتها الرصاصات انطلقي نحو… اسكتي… أنفاسي… اذهبي بي بعيدًا بعيدًا… هيا أيتها الرصاصات تعالي… واثقبي كل أجزاء جسدي… دعي آهاتي وآلامي تخرج وتتدفق مع دمائي…
– يدق جرس باب الدار ويقطع عليها كلمات البؤس الساخنة التي تخرج من أعماقها بدل رصاص منفذي إعدامها. تنتبه أمل لصوت جرس الباب. تنهض وتذهب لفتح باب الدار. تصل ببطء شديد، والخوف يعرقل حركة أقدامها. تتحرك للأمام بصعوبة. تفتح باب الدار الخارجي والرعب يسكنها. تنظر أمامها فلا تجد أحدًا عند عتبة الدار. كل ما أمامها هو الفراغ. تخرج برأسها تنظر يمينًا ويسارًا، فلا تجد أي شخص. تنظر بالصدفة للأسفل نحو عتبة الباب فتجد ظرف رسالة قد تُرِك، وفوقه صخرة صغيرة كي لا يطير الظرف بفعل الريح. تأخذ أمل الظرف وتعود إلى داخل الدار. تمشي بخطواتها سريعًا، وأسئلة تمطرها بلا هوادة. تضطرب دواخلها وترتجف يدها الممسكة بظرف الرسالة. تتردد في فتحه، فالخوف من المجهول أرعبها. كل الأشياء صارت تعاديها وتنذرها بحرب لا هوادة فيها.
صارت كل الاحتمالات تراودها، السيئة منها خاصة، ولا أثر للاحتمالات الجيدة. بل إن احتمالات سيئة جدًا قد اجتازت الأشياء غير المتوقعة، كدعوة قضائية ضدها بجريمة سياسية مثلًا، أو أنها متورطة في انقلاب عسكري في البلاد.
وأفضل الاحتمالات الجيدة هو أن صاحب الدار قد أرسل لها بلاغًا بإخلاء الدار لعدم الدفع لثلاثة أشهر متتالية، لعجزها عن جمع بدل الإيجار. لكنها تتجرأ وتفتح ظرف الرسالة.


