• Home  
  • من “إنانا” إلى “نخلة الحب”.. مقاربات الجسد والروح في غزل الرافدين
- أدب وفن

من “إنانا” إلى “نخلة الحب”.. مقاربات الجسد والروح في غزل الرافدين

ليس عجباً أن يولد الشعر من رحم النهرين. ففي بلاد ما بين النهرين، حيث كتبت أولى قصائد الحب على ألواح طينية، كان الغزل أكثر من مجرد كلمات؛ كان طقساً كونياً وتجلياً للإلهة في جسد المرأة. أما العراقي الحالي، ابن النكبات والغبار والحداد، فقد حوّل غزله إلى نشيج داخلي، وصور امرأته كضدٍ للوحشية المحيطة. بين هذين […]

ليس عجباً أن يولد الشعر من رحم النهرين. ففي بلاد ما بين النهرين، حيث كتبت أولى قصائد الحب على ألواح طينية، كان الغزل أكثر من مجرد كلمات؛ كان طقساً كونياً وتجلياً للإلهة في جسد المرأة. أما العراقي الحالي، ابن النكبات والغبار والحداد، فقد حوّل غزله إلى نشيج داخلي، وصور امرأته كضدٍ للوحشية المحيطة. بين هذين الزمنين، بين السومري الذي رسم عشيقته بماء الذهب والمعاصر الذي يرسمها بدم الجراح، توجد مقاربة شائقة تعيد تعريف “الجميل” ذاته.

السومريون – الإلهة تتنفس في الطين

في ملحمة “إنانا ودوموزي” وفي الأناشيد الملكية، لم يكن جسد المرأة غامضاً أو محرماً، بل كان أيقونة للخصب والقوة. الغزل السومري جريء، مباشر، ومادي. يصف الشاعر السومري حبيبته وكأنها نبتة سقيها الفرات: “صدرها كأكياس الشعير، فخذها كوسادة العاج، عيناها تتلألآن كألواح اللازورد”.

الملامح هنا:

– الوضوح الجسدي: يصف الإبط والأرداف بصراحة طقوسية، لأن الجسد هو حضور الإلهة على الأرض.

– الطبيعة الأم: تُقارن المرأة بالبستان، بالتمر، بالبقرة المقدسة (رمز الخصب).

– غياب العقدة النفسية: الغزل السومري لا يعرف الخجل أو الاغتراب؛ إنه احتفال بالحياة.

العراقي المعاصر – الحبيبة كوطن ضائع

من بدر شاكر السياب إلى فالح الحجية، يتحول الغزل إلى مرثاة. المرأة ليست مجرد أنثى يُشتهى جسدها، بل هي “نخلة” (في “أغنية المطر”)، هي النهر، هي الطفولة، هي كل ما لم يعد موجوداً. غزل المعاصرين يعج بالاستعارات المفجوعة.

الملامح هنا:

– الروح قبل الجسد: الوصف الجسدي نادر ومكثف (عينان، شعر، يد) ويأتي كرمز لا كحقيقة مادية.

– الحزن والانتظار: المرأة هي الشرف الذي سُلب، هي الغائبة التي تعود في حلم السجين.

– الجسد كجرح: في قصائد “حسين مردان” أو “سركون بولص”، نجد الجسد الممزق الذي يعكس وطناً ممزقاً.

التشابه الجوهري في الحالتين، لا يُنظر إلى المرأة ككائن منفصل عن الطبيعة. هي دائماً جزء من منظومة كونية. عند السومري هي الفيضان الذي يخصب الأرض، وعند المعاصر هي المطر الذي يغسل جروح المدينة.

يكمن الاختلاف الأعمق حيث عند السومري يعيش حالة “امتلاك” الفرح، فيصف حبيبته وهو يملكها في طقس الزواج المقدس. أما العراقي المعاصر فيعيش حالة “فقدان” كل شيء، فيصف حبيبته كمن ينظر إلى سراب.

المرأة في العراق القديم كانت في قصر الملك، تُغنى لها بأناشيد العاج والذهب. والمرأة في العراق الجديد تختبئ خلف شرفة من حديد، تغنى لها قصائد من دخان القنابل. لكن الجوهر واحد، فكلاهما يرى في المرأة ما ينقصه. السومري كان ينقصه “البقاء”، فارتبط بالخصب. والعراقي المعاصر ينقصه “السلام”، فارتبط بالحبيبة كملاذ أخير. بهذا المعنى، لم يتغير الغزل العراقي؛ بل تغيرت أدوات الحلم.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026