
منذ عام 2003 لم يتشكل النظام السياسي العراقي بوصفه امتداداً طبيعياً للدولة، بل ولد تحت تأثير التدخل الخارجي ثم اتسعت داخله شبكات النفوذ الاقليمي.
أ. د ساجد الشرقي
ومنذ تلك اللحظة، قامت العملية السياسية على فلسفة توزيع السلطة لا بناء الوطن، عبر تكريس معادلة المكونات بوصفها اساساً للحكم بدل المواطنة والكفاءة، وهكذا تحولت المحاصصة من اجراء مرحلي إلى بنية سياسية أعادت تعريف العراق كمجموعة هويات متنافسة لا كدولة جامعة.
ومع الزمن، لم تؤدِ هذه الصيغة إلى اضعاف مؤسسات الدولة فحسب، بل دفعت المجتمع نحو الولاءات الفرعية المذهبية والاثنية والحزبية على حساب الهوية الوطنية، فتحولت الوزارات إلى مراكز نفوذ، وغابت الدولة المحايدة لصالح سلطة تقوم على تقاسم المصالح والغنائم، حتى بات المواطن يشعر بأن انتماءه للمكون أكثر حضوراً من إنتمائه للوطن.
ومن أخطر نتائج هذه العملية السياسية أنها انتجت تناقضاً داخلياً عميقاً. فالقوى التي جاءت تحت شعار الديمقراطية والتعددية، انتهت عملياً إلى بناء نظام مغلق تتحكم به الكتل الكبرى والصغرى ضمن تفاهمات مكوناتية لا ضمن تنافس وطني حقيقي، وبذلك جرى اختزال الديمقراطية في مجرد توازن بين القوى الطائفية والاثنية، لا في تداول حقيقي للسلطة قائم على البرامج والرؤية الوطنية.
ومن هنا يمكن فهم صعود شخصيات كالزيدي بوصفه انعكاسا لأزمة النظام نفسه، لا مجرد حدث سياسي عابر.
فظهوره جاء نتيجة انسداد داخلي وفشل القوى التقليدية في الحفاظ على شرعيتها الشعبية، بعد أن تحولت العملية السياسية إلى أداة لإعادة انتاج ذات النخب والنهج ذاته.
وعلى الرغم من أن الخطاب السياسي الجديد يحاول الظهور بمظهر الساعي إلى حل المليشيات وتعزيز سلطة الدولة والنأي بالعراق عن المحاور الاقليمية والدولية، إلا أن الواقع يكشف استمرار العقلية القديمة ذاتها. فالمشكلة ليست فقط في الشعارات، بل في البنية التي تنتج السلطة. وعندما تستمر الوزارات توزع وفق الاستحقاق المكوناتي والحزبي، فإن ذلك يعني أن الدولة ما تزال أسيرة فلسفة المحاصصة حتى وإن تغيرت الوجوه أو الخطابات. إذ، أن الوطنية لا تتحقق بمجرد الدعوة إليها، بل عندما يصبح معيار الحكم هو الكفاءة والعدالة وسيادة القانون، لا تمثيل الطوائف والقوميات.
إن الدولة الوطنية لا تبنى عبر جمع ممثلي المكونات، بل عبر بناء عقد اجتماعي يشعر فيه الجميع أنهم متساوون أمام القانون.
وعليه فإن استمرار هذا النموذج السياسي يكشف حالة من التخلف السياسي البنيوي، لأن الدولة الحديثة لا تدار بمنطق الحصص، بل بمنطق المؤسسات. وحين يصبح تشكيل الحكومة عملية تقسيم للسلطة بين المكونات، تفقد الديمقراطية معناها الحقيقي وتتحول الانتخابات إلى صراع جماعات لا تنافس برامج، كما أن حصر الحكم بالكتل الأكبر والأصغر ضمن تفاهمات مغلقة يعمق أزمة التمثيل الشعبي، ويمنع نشوء مشروع وطني عابر للهويات الضيقة.
ولذلك بقي العراق يدور داخل دائرة الأزمات ذاتها – فساد، ضعف مؤسسات، تبعية خارجية، وصراع دائم على النفوذ.
وحتى من زاوية حقوق المجتمع وحقوق الانسان، فإن هشاشة الأسس التي بني عليها النظام السياسي انعكست مباشرة على حياة العراقيين. فالعدالة الاجتماعية لا يمكن أن تتحقق في ظل نظام يرى المواطن من خلال هويته الفرعية، لا من خلال انسانيته ومواطنيته، وعندما تكون مؤسسات الدولة موزعة بين الأحزاب، تصبح الحقوق خاضعة للتوازنات السياسية لا للقانون. ولهذا عانى العراق من تفاوت اقتصادي وخدمي واسع، ومن تراجع الثقة بين المجتمع والدولة، ومن شعور متزايد بأن السلطة لا تمثل الجميع بقدر ما تمثل شبكات مصالح مرتبطة بالمكونات والأحزاب.
وهنا تتجلى المعضلة الحقيقية بأن أزمة العراق ليست فقط أزمة حكومات، بل أزمة فلسفة حكم تأسست منذ البداية على إدارة الإنقسام بدل بناء الوحدة الوطنية.
من هنا يمكن القول: إن أي حكومة جديدة لن تستطيع استعادة ثقة المجتمع ما دامت تتحرك داخل البنية ذاتها التي انتجت الأزمات السابقة. فالمعالجة الحقيقية لا تبدأ بتغيير الوجوه أو تبديل العناوين السياسية، بل بتغيير فلسفة الحكم نفسها، لأن بعض محاولات الانقاذ قد تبدو في ظاهرها اتجاهاً نحو بناء دولة أكثر تماسكاً واستقلالاً، بينما تبقى في عمقها أسيرة التوازنات ذاتها التي أعادت انتاج الأزمة عبر صيغ جديدة. ولذلك فأن الانتقال الحقيقي يتطلب مغادرة منطق المحاصصة نحو منطق الدولة، ومن تمثيل المكونات إلى تمثيل المواطنة، عبر مؤسسات تقوم على الكفاءة وسيادة القانون، وحصر السلاح بيد الدولة، وتحييد القرار الوطني عن الولاءات الخارجية. فالعراق لا يحتاج إعادة تدوير للسلطة بقدر ما يحتاج إعادة بناء لفكرة الوطن، بما يعيد للإنسان العراقي شعوره بالعدالة والانتماء والثقة بدولة تتسع للجميع.


