• Home  
  • الضحك الذي يبني المقابر
- أدب وفن

الضحك الذي يبني المقابر

بسام البديري ليس كل قاتل يحمل سكينًا وليس كل جريمة تترك بقعة دم. هناك جرائم تُرتكب بكلمة ساخرة، أو بنظرة ازدراء، بلقبٍ يُلصق بإنسان، حتى يصبح اسمه الحقيقي غريبًا عنه. تلك هي جريمة التنمّر، الجريمة الوحيدة التي يمارسها المجتمع أحيانًا، وهو يضحك، ويصفّق لها بوصفها، (مُزاحًا أو “دعابة). ولو أردنا تعريفًا أدبيًا للتنمّر. لقلنا، إنه […]

بسام البديري

ليس كل قاتل يحمل سكينًا وليس كل جريمة تترك بقعة دم. هناك جرائم تُرتكب بكلمة ساخرة، أو بنظرة ازدراء، بلقبٍ يُلصق بإنسان، حتى يصبح اسمه الحقيقي غريبًا عنه.

تلك هي جريمة التنمّر، الجريمة الوحيدة التي يمارسها المجتمع أحيانًا، وهو يضحك، ويصفّق لها بوصفها، (مُزاحًا أو “دعابة).

ولو أردنا تعريفًا أدبيًا للتنمّر. لقلنا، إنه محاولة جماعية لإقناع فردٍ ما بأنه لا يستحق أن يكون نفسه.

(الإنسان الذي سحقه الآخرون)

في المعطف قدّم نيقولاي غوغول شخصية أكاكي أكاكيفيتش الموظف البسيط الذي لم يكن يملك من العالم سوى هدوئه وأحلامه الصغيرة. زملاؤه سخروا منه باستمرار حوّلوه إلى مادة للضحك وكأن وجوده نفسه خطأ إداري.

لم يكن غوغول يصف التنمّر بوصفه سلوكًا فرديًا، بل باعتباره نظامًا اجتماعيًا يرى في الضعف مناسبة للاحتفال بالقسوة.

ويقال إن فيودور دوستويفسكي صرّح بأن كلنا خرجنا من معطف غوغول، وربما كان يقصد أن الأدب الروسي كله خرج من إدراك عميق لهذه الحقيقة، بأن الإنسان لا يُقتل مرة واحدة، بل يُستنزف على يد السخرية اليومية، حتى يفقد إيمانه بنفسه.

(الوحش الذي يصنعه المجتمع)

في أحدب نوتردام رسم فيكتور هوغو شخصية كوازيمودو. ذلك الرجل الذي لم يكن مشوّه الروح بل الجسد فقط. غير أن المجتمع بعجزه عن رؤية الجمال الداخلي حوّله إلى كائن منبوذ. لم يكن الناس يخافون من قبحه، بل من انعكاس قبحهم في مرآته.

وفي فرانكنشتاين، لم يصبح مخلوق ماري شيلي قاتلًا لأنه وُلد شريرًا، بل لأنه قوبل بالرفض والاشمئزاز والنبذ. المجتمع هو الذي علّمه الكراهية قبل أن يرتكب أول خطاياه.

(التنمّر كجذر للعنف)

كم من طفلٍ تعرّض للسخرية فتحوّل إلى رجل يكره العالم؟ كم من موهبة انطفأت لأن أحدهم قال لصاحبها:

لن تنجح؟

كم من روحٍ اختارت الصمت الأبدي لأنها صدّقت ما قاله الآخرون عنها؟ في المسخ يستيقظ غريغور سامسا ليجد نفسه حشرة في نظر عائلته.

كافكا لم يكن يتحدث عن التحول البيولوجي، بل عن اللحظة التي يفقد فيها الإنسان قيمته في أعين أقرب الناس إليه.

(مجتمع يسخر من ضحاياه)

المجتمع الذي يتسامح مع التنمّر، لا ينتج مواطنين أصحاء، بل يصنع جيلًا من الجلادين والضحايا. بعضهم يتقن الإهانة وبعضهم يتقن إخفاء جراحه وكلاهما يحمل الندبة نفسها.

لقد كتب ألبير كامو في الغريب عن عزلة الإنسان وسط مجتمع لا يفهمه. لكن عزلة اليوم أشد قسوة، لأن الضحية محاطة بآلاف الأصوات التي تُذكّرها يوميًا بأنها مختلفة، وكأن الاختلاف جريمة.

(الرأي الأكثر إثارة للجدل)

التنمّر ليس خطأً تربويًا بسيطًا، بل أحد أكثر أشكال العنف قبولًا اجتماعيًا. بل يمكن القول إن كثيرًا من الحروب تبدأ في الطفولة حين يتعلّم الإنسان أن السخرية من الآخر تمنحه شعورًا بالقوة. الطفل الذي يضحك على زميله المختلف، قد يكبر ليضحك على شعبٍ كامل، أو على طبقة اجتماعية أو على أمة بأسرها.

إن الاستبداد السياسي ليس سوى تنمّر نجح في الوصول إلى السلطة.

في الخاتم

الأمم لا تنهار فقط بسبب الفساد أو الحروب، بل بسبب اعتيادها على إذلال الأضعف. والأدب العالمي من غوغول إلى كافكا ومن هوغو إلى كامو يذكّرنا بحقيقة موجعة..

الإنسان لا يحتاج إلى كثير من العنف كي يتحطم، أحيانًا تكفي كلمة واحدة تُقال في لحظة استهزاء لترافقه مدى الحياة.

لهذا فإن مقاومة التنمّر ليست قضية مدرسية أو أخلاقية فحسب، بل مشروع حضاري كامل. لأن المجتمع الذي يعلّم أبناءه احترام المختلف، لا يحمي فردًا واحدًا فقط، بل يحمي مستقبل أمة بأكملها.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026