• Home  
  • عالم ذكي وإنسان قلق: ضريبة الانفصال من الجذور
- رأي ومقالات

عالم ذكي وإنسان قلق: ضريبة الانفصال من الجذور

هادي حيدر خضير ذات يوم، تركتُ هاتفي وخرجتُ مع أحد أصدقائي في الصباح الباكر؛ تجولنا في شوارع بغداد دون أن نستخدم الهاتف، فلاحظتُ أن الوقت أصبح أطول من الأيام العادية، وكأن اليوم يومين! ورغم ذلك، لم أشعر بالملل، ولا بالقلق، ولا بصداع الرأس. هنا راودني سؤال: هل فعلاً أصبح الوقت في عصرنا أسرع؟ بدأت ملامح […]

هادي حيدر خضير

ذات يوم، تركتُ هاتفي وخرجتُ مع أحد أصدقائي في الصباح الباكر؛ تجولنا في شوارع بغداد دون أن نستخدم الهاتف، فلاحظتُ أن الوقت أصبح أطول من الأيام العادية، وكأن اليوم يومين! ورغم ذلك، لم أشعر بالملل، ولا بالقلق، ولا بصداع الرأس. هنا راودني سؤال: هل فعلاً أصبح الوقت في عصرنا أسرع؟

بدأت ملامح التكنولوجيا تظهر في منتصف القرن الماضي، ومع تقدمها زادت سرعة حياتنا، وتضاعف معها قلقنا دون سبب واضح. أصبحنا نعيش في وهم المظاهر، ونطمح لعيش حياة المشاهير الزائفة، لعدم توظيف هذا التقدم بالشكل الصحيح لصالح التعليم أو خدمة المجتمع.

إن الإحساس بالنشوة هو السبب الرئيسي وراء شعورنا بسرعة الوقت؛ وذلك نتيجة عمل ميزة “التمرير اللانهائي” بنفس آلية عمل آلات القمار. فعندما نسحب الشاشة لأسفل، لا نعرف ما الذي ينتظرنا: هل هو فيديو حزين، أم مقطع مفرح، أم خبر صادم؟

هذه التساؤلات والترقب يحفزان العقل على إفراز الدوبامين (هرمون المكافأة). ولأن الدماغ يعشق المفاجآت، فإنه يستمر في التمرير بحثاً عن “المكافأة التالية”، والتي قد تكون مقطعاً مضحكاً أو محتوى نحب رؤيته.

وفي هذا السياق، صرّح مبتكر ميزة التمرير اللانهائي، “أزا راسكين”، في مقابلة شهيرة مع شبكة “بي بي سي” (BBC) عام 2018، معلناً ندمه الشديد على هذا الاختراع، حيث قال: «إن لم تمنح عقلك بضع ثوانٍ لإعادة التوجيه، فستستمر في التمرير.. إنه تصميم يقوم بتسييل وقتك، وشحن دماغك بالكوكايين السلوكي».

إن الحديث عن حياة الإنسان قبل التكنولوجيا الرقمية الحديثة يأخذنا إلى عالم كان يعتمد على “الفطرة” و”البساطة”. لم تكن حياة مثالية وخالية من المتاعب، لكنها كانت تمتلك مزايا نفسية واجتماعية نفتقدها بشدة اليوم في عصر “التمرير اللانهائي” والشاشات.

       لسنا بحاجة هنا لارتدادٍ رومانسي نحو الماضي والعيش في بيوت الطين، ولا لاستسلامٍ للشاشات. التحدي الحقيقي اليوم هو “أنسنة التكنولوجيا”؛ أن نأخذ من الحداثة عِلمها وكفاءتها، ونحمي من الماضي صفاءه ودفء علاقاته الحية.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026