
محمد العجيلي
كثيراً ما نسأل، كيف نُحدث تغييراً حقيقياً في سلوك الشباب؟ لم تكن الإجابة يوماً في المحاضرات الجامعية أو الحملات الإعلانية فقط، بل في تجربة تعيشها روح الشاب وتلامس حياته اليومية. الشباب ليسوا مجرد “فئة مستهدفة” في سياسات حماية البيئة، بل هم القوة المحركة القادرة على قلب الموازين إذا ما امتلكوا الأدوات الصحيحة.
أولاً: ترسيخ الوعي – من المعلومات إلى القناعات
الوعي البيئي الحقيقي ليس حزمة من الحقائق عن ظاهرة الاحتباس الحراري أو التلوث البلاستيكي. إنه تحول داخلي في طريقة رؤية الفرد لعلاقته بالطبيعة. ولترسيخ هذا الوعي لدى الشباب، أثبتت التجارب الميدانية فعالية ثلاثة مداخل:
المدخل التجريبي المباشر: حين يقضي شاب يوماً كاملاً في تنظيف شاطئ أو في رحلة لمراقبة الطيور المهاجرة، يتشكل رابط عاطفي مع البيئة لا توفره أي شاشة. المدارس والجامعات التي أدخلت الأنشطة البيئية العملية كجزء من المناهج حققت تحولاً سلوكياً أعمق بعشر مرات مقارنة بتلك التي اكتفت بالتدريس النظري.
المدخل القيمي الثقافي: ربط القضايا البيئية بالهوية والدين والقيم المجتمعية. في مجتمعاتنا، مفاهيم مثل “الإسراف” و”الإفساد في الأرض” تحمل أبعاداً أخلاقية تجعل الحماية البيئية واجباً وليس ترفاً.
المدخل العلمي المشارك: إشراك الشباب في رصد البيانات البيئية البسيطة (قياس جودة المياه، تعداد أنواع الطيور، فرز النفايات) يمنحهم إحساساً بالملكية الفكرية للمشكلة قبل أن يصبحوا جزءاً من الحل.
ثانياً: أدوات الحث على العمل – ما ينجح فعلاً
ثمة الكثير من الأدوات التي تم تجريبها حتى الآن ولكن الأكثر تأثيراً:
1. منصات التحدي الجماعي
تطبيقات مثل “أصدقاء البيئة” التي تحول السلوكيات اليومية (تقليل البلاستيك، ترشيد الماء، إطفاء الأضواء) إلى تحديات مشتركة مع مكافآت رمزية. الشباب يتحفزون بالمنافسة الإيجابية والاعتراف الاجتماعي.
2. مشاريع صغيرة بحوكمة شبابية
تجربة “السفراء البيئيون” في الأحياء والجامعات حيث يتحمل الشباب مسؤولية كاملة في تصميم وتنفيذ مبادراتهم، مع دعم مادي وتقني محدود من جهات راعية. الشعور بالمسؤولية الكاملة يحول المتفرج إلى فاعل.
3. الإعلام بالمقلوب
بدلاً من حملات التوعية التقليدية، تمكين الشباب أنفسهم من إنتاج محتوى بيئي (فيديوهات قصيرة، بودكاست، منشورات تفاعلية) بلغتهم الخاصة ومن زاويتهم. التأثير هنا أقوى لأن الرسالة تصدر من “أحدنا” وليس “من فوقنا”.
### 4. النماذج القدوة الشابة
تسليط الضوء إعلامياً على مبادرات شبابية ناجحة، مهما كانت صغيرة. شاب أسس مبادرة لتدوير الورق في مدرسته، أو فتاة ابتكرت حلاً لمشكلة الغبار في حيّها. هؤلاء هم المؤثرون الحقيقيون.
5. ربط البيئة بالمصالح المباشرة
عدم الاكتفاء بالمناشدة الأخلاقية. توضيح كيف أن حماية البيئة توفر المال (ترشيد الاستهلاك)، تحسن الصحة (تقليل التلوث)، تخلق فرص عمل (الطاقة المتجددة، إعادة التدوير). الشباب عمليون بطبائعهم.
وأهم أمور ينبغي الحذر منها في العمل البيئي هي:
– لا تلقنهم، بل استمع لهم: أكثر المبادرات فشلاً كانت تلك التي قدمت للشباب “خطة جاهزة” لتنفيذها. هم يحتاجون أن يكونوا شركاء في صياغة الحلول.
– تجنب لغة الكوارث: الضخ المستمر للمشاعر السلبية (الأرض ستهلك، المستقبل مظلم) يولد إحباطاً وشللاً، ليس حراكاً. قدم الصورة الكاملة: أزمات حقيقية، لكن مع مسارات عملية للحلول.
– لا تجاهل للواقع الاقتصادي: حين تطلب من شاب التوقف عن استخدام البلاستيك، تأكد أنه يجد بديلاً اقتصادياً متاحاً. النشاط البيئي النخبوي يخلق فجوة بين فئات المجتمع.
ولمن يريد البدء اليوم:
1. في المدارس والجامعات: أسبوع بيئي عملي كل فصل، ومسابقة أفضل مبادرة طلابية بتمويل حقيقي.
2. في المؤسسات الحكومية: مجالس بيئية شبابية استشارية، ليس شكلية بل ذات صلاحيات.
3. في الإعلام: برامج واقعية تتابع فرقاً شبابية تواجه تحديات بيئية حقيقية.
4. في القطاع الخاص: برامج تدريب بيئي للموظفين الشباب مع حوافز مادية لتطبيق أفكارهم.
الوعي البيئي الحقيقي ينمو عندما يلمس الشاب بيديه أثر أفعاله، عندما يرى أن صوته مسموع، عندما يشعر أنه جزء من مجتمع فاعل وليس تابعاً يتلقى التعليمات. البيئة ليست قضية منفصلة عن حياتهم اليومية وطموحاتهم وأحلامهم. دمجه في نسيج حياتهم هو الطريق الوحيد لصناعة جيل لا يحمي البيئة لأنها “واجب”، بل لأنها امتداد لوجوده وهويته.
شباب اليوم ليسوا غداً فقط، هم قادة اليوم بانتظار من يطلق طاقاتهم. والأرض تنتظرهم.


