• Home  
  • حملات التشجير في العراق: ضرورة وطنية لمجابهة التصحر والجفاف
- بيئة واقتصاد

حملات التشجير في العراق: ضرورة وطنية لمجابهة التصحر والجفاف

عزيز محمد إذا كانت بلاد الرافدين قد اشتهرت عبر التاريخ بجناتها الخضراء ونخيلها الباسق وأنهارها الجارية، فإن العراق اليوم يحول بسرعة قياسية إلى أرض قاحلة يتقدم عليها التصحر بمساحات تقدر بمئات الآلاف من الدونمات سنوياً. فمن أصل 44 مليون دونم من الأراضي القابلة للزراعة، لم يتبق سوى نحو 10 ملايين دونم فقط، ومعظمها مهدد بالجفاف […]

عزيز محمد

إذا كانت بلاد الرافدين قد اشتهرت عبر التاريخ بجناتها الخضراء ونخيلها الباسق وأنهارها الجارية، فإن العراق اليوم يحول بسرعة قياسية إلى أرض قاحلة يتقدم عليها التصحر بمساحات تقدر بمئات الآلاف من الدونمات سنوياً. فمن أصل 44 مليون دونم من الأراضي القابلة للزراعة، لم يتبق سوى نحو 10 ملايين دونم فقط، ومعظمها مهدد بالجفاف وتملح التربة.

يتحمل العراق كل عام فقدان أكثر من 100 ألف دونم من أراضيه الخضراء، فيما تزداد العواصف الترابية حدةً وكثافةً، متسببةً في خنق المدن والأهوار. لقد آن الأوان للحكومة العراقية الجديدة أن تضع التشجير على رأس أولوياتها البيئية، وأن تطلق حملات توعية وطنية واسعة تحث المواطنين على المشاركة الفاعلة في إعادة تأهيل البيئة العراقية. فالمسألة لم تعد ترفاً أو منظراً جمالياً؛ بل أصبحت قضية أمن قومي بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

التصحر والجفاف – خطر يهدد مستقبل العراق

يشهد العراق زحفاً صحراوياً متسارعاً، حيث تتحول الأراضي المنتجة إلى صحاري جرداء بفعل شح المياه، وتغير المناخ، وسوء إدارة الموارد الطبيعية، وغياب الغطاء النباتي. وقد بات التصحر يطاول حوالي 41% من المساحة الكلية للعراق، ويتقدم سنوياً بمعدل ينذر بالخطر. ووفق تقديرات وزارة البيئة العراقية وبرنامج الأمم المتحدة للإنماء، فإن العراق يفقد سنوياً ما بين 100,000 و250,000 دونم من أراضيه الزراعية، إما بسبب الجفاف أو بسبب التملح الناتج عن سوء الري.

هذه ليست مجرد أرقام جافة؛ إنها حقول قمح كانت تطعم الأسر، وبساتين نخيل كانت تشكل ذاكرة العراقيين، ومراعٍ كانت تأوي قطعان الأغنام والأبقار. كل ذلك يتحول إلى غبار يملأ الهواء.

العواصف الترابية: مؤشر على كارثة بيئية

أحد أبرز مؤشرات التصحر هو تواتر وشدة العواصف الترابية. فبينما كانت بغداد تشهد في الماضي ما بين 15 إلى 20 عاصفة ترابية سنوياً، ارتفع المعدل إلى أكثر من 80 عاصفة في بعض السنوات الأخيرة. وفي عام 2023 وحده، سُجلت 158 يوماً من العواصف الترابية، وهو رقم قياسي مقلق.

إن الغطاء النباتي – الأشجار والشجيرات والأعشاب – هو “اللاصق الطبيعي” الذي يثبت التربة ويمنع الرياح من اقتلاعها وتحويلها إلى عواصف. عندما يُزال هذا الغطاء بسبب الرعي الجائر، أو قطع الأشجار، أو الجفاف، تتحول التربة السطحية إلى غبار يسهل تطايرها. وهنا يأتي دور التشجير كحل جذري وفعال.

التشجير ليس مجرد زراعة أشجار – بل استثمار في المستقبل

إن زراعة الأحزمة الخضراء حول المدن وعلى طول الطرق وفي الأراضي المتصحرة هي إحدى أكثر الوسائل فعالية لمكافحة التصحر والحد من العواصف الترابية. الأشجار تعمل كحواجز طبيعية تعترض الرياح وتُبطئ سرعتها، وتلتقط جزيئات الغبار عبر أوراقها وسيقانها، وتثبت التربة بجذورها العميقة.

تشير الدراسات العالمية إلى أن حزاماً أخضر بعرض 50 متراً يمكن أن يخفض سرعة الرياح بنسبة تتراوح بين 40% و60%، ويقلل كمية الغبار المنقولة بنسبة تصل إلى 75%. هذه النسب تعني فرقاً بين يوم صافٍ وآخر مختنق بالغبار.

التشجير لمواجهة تغير المناخ

الأشجار هي رئة الأرض الطبيعية: تمتص ثاني أكسيد الكربون، وتطلق الأكسجين، وتخفض درجات الحرارة المحيطة عبر التبريد الطبيعي الناتج عن النتح. في المدن العراقية التي تعاني من “جزر حرارية” شديدة، يمكن للأشجار أن تخفض حرارة الجو بما يصل إلى 5-8 درجات مئوية.

في وقتٍ يتوقع أن ترتفع فيه درجات الحرارة في العراق بمقدار درجتين مئويتين بحلول عام 2050، تصبح زراعة الأشجار ليست مجرد خيار بيئي جميل، بل ضرورة مناخية ملحة.

التشجير لتحسين صحة الإنسان

هذا الجانب يربط بشكل مباشر بين حملات التشجير والصحة العامة. الأشجار تنقي الهواء من الملوثات والجسيمات العالقة (بما فيها الملوثات الناتجة عن المولدات الكهربائية وعوادم السيارات). ورقة شجرة واحدة يمكنها إزالة آلاف الجرامات من الغبار والملوثات سنوياً. في مدن مثل بغداد والموصل والبصرة، حيث تتصدر تلوث الهواء قوائم المدن الأكثر تلوثاً في العالم، يصبح كل شجر يزرع بمثابة جهاز تنفس صناعي للمدينة.

دور المواطن العراقي – شريك أساسي في التغيير

لن تنجح أي حملة تشجير دون مشاركة مجتمعية فاعلة. المواطن العراقي مدعو إلى:

1. البدء من منزله

زراعة شجرة أو أكثر في الفناء أو على الرصيف (حيث يسمح) يمكن أن تحدث فرقاً كبيراً على المدى الطويل. شجرة واحدة تنتج كمية أكسجين تكفي لعائلة صغيرة خلال عام.

2. الانضمام إلى فرق التطوع

كثير من المنظمات غير الحكومية والبلديات تنظم أياماً تطوعية لزراعة الأشجار. المشاركة في هذه الفعاليات تعزز الانتماء وتسهم في تحسين البيئة مباشرة.

3. نشر الوعي بين الأهل والأصدقاء

كل فرد يستطيع أن يكون “سفيراً للبيئة” من خلال كلمة طيبة، منشور على وسائل التواصل، أو تشجيع الأبناء على الاهتمام بالطبيعة. التغيير يبدأ من العقول، والعقول تتغير بالوعي.

4. حماية الأشجار والمساحات الخضراء

الإبلاغ عن أي حالة قطع أشجار أو حرق أراضٍ، والدفاع عن البيئة كممتلك عام، واجب أخلاقي وقانوني. يجب أن يشعر كل عراقي بأن الشجرة في حيه “شجرته” هو.

بين أيدينا مستقبل أخضر أو صحراء قاحلة

يتوقف مصير العراق البيئي على الإجراءات التي نتخذها اليوم، وليس غداً. فالتصحر ليس قادماً؛ إنه موجود يلتهم أراضينا ويهدد صحتنا. والعواصف الترابية ليست ظواهر طبيعية عابرة؛ إنها نداء استغاثة من أرض سُلبت خضرتها.

لدى العراق فرصة ذهبية مع تشكيل حكومة جديدة: أن تضع البيئة والتشجير على رأس سلم أولوياتها، وأن تنطلق بحملات توعية وطنية تحشد كل طاقات المجتمع – من الوزارات إلى المدارس، من المساجد إلى وسائل الإعلام، من النخب إلى المواطن العادي. فالتشجير ليس مشروع وزارة الزراعة وحدها، بل هو مشروع كل عراقي وعراقية، لأن ثمن التقاعس هو حياة خانقة ومستقبل قاحل، وثمن المبادرة هو هواء نقي وجمال وازدهار.

فلنزرع شجرة واحدة اليوم، ثم أخرى غداً، ثم آلافاً بعد غد. فبالأشجار تعود الحياة إلى الأرض، وتسترد الأمم أنفاسها. والعراق الغالي يستحق أكثر من الغبار؛ يستحق أن يكون أخضر كما كان عبر آلاف السنين.

العراق أولاً، والبيئة أمانة، وغداً أجمل بأشجارنا.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026