
صبحي الجميلي
تؤشر قراءة أولية في المنهاج الوزاري لرئيس الوزراء المكلف علي الزيدي، طابعه العام وتضمينه قضايا تضمنتها برامج كل الحكومات التي تعاقبت على السلطة منذ ٢٠٠٥، وبقيت مجرد توجهات ولم تتحول إلى واقع في المجالات المختلفة، الأمر الذي يتجلى في الكثير من القضايا التي ظلت تبحث عن حلول. وقد أشار المنهاج إلى أنه سيبقى في نطاق التوجهات العامة، إلى حين صدور البرنامج الحكومي المتكامل بعد نيل أكثر من نصف الحكومة الجديدة ثقة البرلمان.
ونشير هنا إلى نواقص جدية في المنهاج تحتاج إلى وقفات، وقد تناول متابعون ومتخصصون بعضها. ومن جانبنا نخصص هذا المقال للحديث عن محور البيئة، الذي غاب أو غيّب تماماً من المنهاج.
فرغم خطورة المؤشرات البيئية في بلادنا، وما تشهده بيئتنا من تدهور، وما يتلمسه العراقيون من شح المياه وتوسع مساحات التصحر وتلوث المياه والهواء والتربة، وتمدد العشوائيات، وانبعاث ملايين الأطنان من الغازات السامة والملوثة، وتتابع مئات العواصف الترابية، والارتفاع المستمر في درجات الحرارة. رغم هذا كله وغيره جاء المنهاج الوزاري خالياً من محور البيئة، ما يثير تساؤلات جديدة ومشروعة عن أهمية هذا الملف الحساس ضمن أولويات الحكومة، وهو الذي عانى الإهمال وغياب الاهتمام الجدي طيلة السنوات الماضية.
ومعلوم أن الواقع البيئي يشهد تدهوراً متسارعاً بفعل عوامل متداخلة عديدة، منها الطبيعية ومنها البشرية، حتى صار العراق وفقا لتقارير دولية من أكثر الدول هشاشة بيئياً.
ووفقا لتلك المعطيات ارتفعت درجات الحرارة في السنين الأخيرة، ويتوقع أن ترتفع ٤ درجات أخرى في السنوات القادمة. فيما يعاني العراق عموماً (مع استثناءات في السنوات الرطبة مثل السنة الحالية)، من شح المياه وانخفض الاحتياطي المائي إلى أربع مليارات متر مكعب، وهذا مؤشر على دخول العراق مرحلة “الندرة المائية الحادة”. وهذا طبعاً قبل الارتفاع الأخير بفضل سقوط الأمطار، وهو غير دائم في جميع الأحوال. علماً أن حصة العراقي من الماء انخفضت إلى أقل من ١٠٠٠ متر مكعب سنوياً، وهو دون خط الفقر المائي العالمي.
وللأسف جاء المنهاج الوزاري، في خصوص انتزاع حقوق العراق من دول المنبع، غير متناسب مع حجم المشكلة، ولهذا آثاره على جوانب عدة.
وهناك اضافة إلى ذلك حوالي ٦ ملايين متر مكعب من المياه الملوثة التي تُرمى يومياً في الأنهار، ما يؤشر الافتقار إلى محطات المعالجة، بناءً وتشغيلاً واستدامة. وليس سراً أن المؤسسات الحكومية هي من أكثر الجهات تلويثاً للمياه والأنهر. وتظهر المعطيات المتوفرة أن ٣٠ في المائة فقط من سكان المدن تتوفر لهم شبكات معالجة مياه الصرف الصحي.
كما تشير الأرقام إلى أن ٧٥ في المائة من الأراضي المروية تعاني من الملوحة، ما يعكس سوء استخدام لها وليس مجرد نقص فيها. ومع ذلك فالمنهاج لم يشر لا من بعيد ولا قريب إلى أهمية إطلاق مشروع وطني لغسل واستصلاح التربة، ولإعادة الحياة إلى شبكات البزل وبناء المزيد منها، في حين تزيد مساحة الأراضي المهددة بالتصحر على ٥٥ في المائة من عموم الأراضي العراقية.
وكلنا شهود على مدى الاختناقات بتلوث الهواء، الناجم عن حرق الغاز المصاحب، وعن الانبعاثات من عوادم السيارات، ومن المعامل والمصانع المفتقرة لتقنيات الحد من الانبعاثات الضارة. وتتجلى الخطورة عندما نعلم أن تركيز الجسيمات الدقيقة (pm2 .5) يصل في بغداد مثلا الى ٧٠-٨٠ ميكروغرام/م٣ أي حوالي ١٤ ضعف الحد الأدنى الذي تعتمده منظمة الصحة العالمية.
هذه المعطيات وغيرها من المؤشرات عن الواقع البيئي في العراق، تبيّن ليس فقط أهمية جعله من أولويات الحكومة الجديدة واية حكومة قادمة، بل وأهمية العمل الجدي على تبني مشروع بيئي وطني شامل، وتوفير مستلزمات تنفيذه في آماد محددة. فملف البيئية ليس موضوعا ثانوياً أو ترفاً، وهو ذو صلة مباشرة بحياة الناس، وبالأمن الوطني والصحي والغذائي.


