• Home  
  • العراق.. مأزق ثقافة أم أزمة مثقفين؟
- رأي ومقالات

العراق.. مأزق ثقافة أم أزمة مثقفين؟

آكار تاج الدين المثقف هو الذي يمارس طقوس الثقافة ضمن المجتمع الذي يعيش فيه، فإذا كان مثقفًا يؤمن بمبادئ فكرية وأيديولوجية وسياسية، فالهدف من هذا هو التغيير الاجتماعي والموروث الثقافي المتخلف. عاش المجتمع العراقي عدة ثقافات، قسمًا منها جاء من خلال ثقافات خارجة عن الموروث الاجتماعي في العراق. فسياسات غير الإنسانية التي تمارس في العراق […]

آكار تاج الدين

المثقف هو الذي يمارس طقوس الثقافة ضمن المجتمع الذي يعيش فيه، فإذا كان مثقفًا يؤمن بمبادئ فكرية وأيديولوجية وسياسية، فالهدف من هذا هو التغيير الاجتماعي والموروث الثقافي المتخلف.

عاش المجتمع العراقي عدة ثقافات، قسمًا منها جاء من خلال ثقافات خارجة عن الموروث الاجتماعي في العراق. فسياسات غير الإنسانية التي تمارس في العراق منذ أن نشأ هذا البلد كانت ثقافات الإقصاء والتهميش وعدم إيجاد بدائل للحوار الإنساني والديمقراطي.

فالديمقراطية في نظر المثقفين هي الباب الأوسع للوصول إلى أهدافهم الإنسانية وفرض إرادتهم من خلال ديمقراطيات اجتماعية تؤمن بأن لكل فرد يعيش في هذا البلد أن يكون له حرية الانتماء وحرية التفكير وحرية الرأي وحرية اختيار الفكر الذي ينتمي إليه.

ولكن لم يتغير شيء نتيجة أن الثقافات بشكل عام سواء كانت قومية أو اشتراكية أو علمانية أو ماركسية أو ذات طابع قومي يقتل الآخرين بحجة أن هذه القومية تمثل انتماء الناس بشكل واسع، فالصراع الموجود في الشرق الأوسط لا يرقى إلى المستوى الثقافي، بل فرض عليه التراجع نتيجة أن المثقفين لا يطرحون أفكارهم إلى المجتمع، بل هو مجرد يحمل لقب مثقف من خلال قراءته لمجموعة كتب في النهج والتفكير السياسي الذي يؤسس لمفاهيم خاطئة دائمًا.

المجتمع هل هو بحاجة إلى مجموعة من المثقفين أم مجموعة من المناضلين؟ وكيف نفصل ما بين المثقف وما بين المناضل وما بين المتعلم؟

المناضلون لديهم قواعد سلوك جاءت من خلال أن تحرير الإنسان من فكرته العشائرية ومن فكرة الاضطهاد الديني، ومن فكرة أن الحياة لا يمكن أن تتغير إلا من خلال مبادئ تناضل من أجلها، ولهذا السبب فإن في منطقتنا دائمًا يكون المثقف قارئًا للكتاب، لكنه يبتعد كل البعد عن المشاركة لصالح الجماهير التي تؤمن بأن التغيير يأتي من خلال قوة الإنسان بمبادئه وعدم التنازل عنها مهما كانت الظروف.

العراق يعيش أزمة ثقافة (بيئة ومؤسسات) قبل أن تكون أزمة مثقفين. إن تراكمات العقود الماضية من حروب وحصار وسياسات إقصاء خلقت مجتمعاً أنهكته الأزمات، بينما يمتلك العراق اليوم نخبة واسعة من المثقفين والمبدعين، لكنهم يعانون من التهميش وضعف الدعم.

يتضح هذا التشخيص من خلال التفاصيل التالية:

أزمة الثقافة والمجتمع: تتمثل في تراجع منظومة القيم الحضارية لصالح “ثقافة العنف” والتعصب، وشيوع الأمية الثقافية بسبب تردي قطاعات التعليم، وغياب الاستراتيجيات الحكومية التي ترعى الهوية الوطنية وتدعم المشاريع التنويرية.

أزمة المثقف ودوره: يعاني المثقف العراقي (في الداخل والخارج) من الانفصال عن هموم الشارع، وتقوقع الإنتاج الثقافي في دوائر نخبوية. بالإضافة إلى غرق بعضهم في الاستقطابات السياسية والطائفية، مما أفقد المثقف تأثيره الاجتماعي وقدرته على قيادة التغيير والتعبير عن الوعي الحقيقي للأمة.

أزمة الإدارة والمؤسسات: المشكلة الأكبر تكمن في إدارة الشأن الثقافي. تعاني المؤسسات الثقافية الرسمية من غياب الرؤية الواضحة وسوء استثمار الطاقات، إلى جانب غياب دور النقابات والاتحادات الفاعلة في تبني مشاريع حقيقية تنهض بالوعي العام.

وهذا ما جاء في كتاب سارتر «الدفاع عن المثقفين»، وماذا يقصد بالمثقفين: المحامين، الأطباء، المهندسين، الضباط في قيادة الجيش والمتعلمين؟ كل هؤلاء يملكون ثقافة، ولكن يعيشون على أزمات المجتمع كالمحامي والطبيب والعسكر الذي يؤسس لانقلابات عسكرية ذات منافع شخصية، ولا علاقة له بما درس وتعلم.

إذًا هناك أزمة حقيقية في الثقافة والمثقفين، لهذه اللحظة لم يطرح المثقف نفسه كعنصر إنساني متجرد من انتمائه الطائفي والقومي والتمييز العنصري ضد الآخرين.

فكثير من المناضلين الذين عاشوا في السجون أكثر من 20 سنة، ولكن السجون لم تبعدهم عن قيادة المجتمع الذي يؤسس لفكر إنساني قبل الفكر القومي المتعصب أو الشوفينية المتخلفة. وحتى السلطات الحاكمة تعرف تمامًا أن هؤلاء القادة هم صناع ثقافة الإنسان واحترام إنسانيته وجوهر فكره ومبادئه.

لهذا السبب، فإن أزمة الثقافة والمثقفين في العراق هي الناتج الحقيقي للصراع الطائفي وانتشار الفساد المالي والأخلاقي وتخلف المجتمع في كل مجالات الحياة اقتصاديًا وتربويًا وسياسيًا.

ما أتاح الفرصة للإسلام السياسي أن يفرض إرادته ويتمسك بالسلطة، لأن شعارات المثقفين أصبحت لا قيمة لها، لأنها لا تؤثر على العقل البشري وتجعله متخلفًا في كل الميادين.

وبالمحصلة نرى أن المشهد الثقافي في العراق يعيش أزمة مركبة تتوزع بين تحديات المثقف وإدارة الدولة للثقافة. وتكمن الأزمة في فجوة بين نتاج المثقف وإرثه الحضاري الغني من جهة، وبين واقعه المأزوم الذي تحكمه صراعات الهوية، البؤس المادي والمعنوي، وضغوط السلطة من جهة أخرى. تتبلور أزمة الثقافة والمثقفين في العراق حول عدة محاور رئيسية. حيث تشير التحليلات في المشهد العراقي إلى أن الأزمة ليست ندرة المثقفين، بل ضعف مؤسسات الدولة في إدارة هذا الإرث البشري الكبير، وتوجيهه نحو بناء وعي مجتمعي رصين. كذلك يواجه المثقف العراقي صراعاً مريراً للحفاظ على استقلاليته. فالتاريخ الثقافي شهد محاولات مستمرة لتدجين المثقف أو تحويله إلى أداة لترويج سياسات معينة، مما يضع المثقف الأصيل أمام خيار الصدام أو التهميش. والأهم هي تحديات الواقع المعاش، حيث ينسلخ المثقف من مناخ واقعه، الذي يعاني من تراكمات الحروب، الأزمات السياسية، والانقسامات المجتمعية، مما يجعله عاجزاً أحياناً عن إحداث التغيير المأمول في ظل الأولويات المعيشية الضاغطة. وأيضاً غياب السياسات الثقافية، يعاني العراق من قصور في وضع استراتيجيات واضحة لرعاية النخب الثقافية والترويج للإنتاج المعرفي، مما يؤدي إلى هجرة الكفاءات وغياب الدعم الحقيقي للمؤسسات الفنية والأدبية.

إذًا هناك أزمة ثقافة ومثقفين، لم تنتهِ هذه الأزمة طالما الانتماءات الطائفية والعنصرية والمذهبية هي من تقود البلدان نحو الحروب والصراع الطائفي.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026