
مازن عبد السلام
لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي تؤدي الدور الذي رُوِّج لها في بداياتها بوصفها منصاتٍ لتبادل المعرفة، ونشر الأفكار، وصناعة الوعي، بل تحولت، في كثير من الأحيان، إلى فضاءاتٍ يغلب عليها المحتوى العابر والتفاصيل اليومية التي لا تضيف قيمة حقيقية. فهذا يوثّق حفل زفافه، وذاك يصوّر طعامه، وآخر ينشر أدق تفاصيل حياته، حتى أصبح المحتوى السطحي أكثر حضورًا وانتشارًا من المحتوى الذي يسهم في بناء الإنسان والارتقاء بالمجتمع.
والمفارقة أن المنشورات التوعوية والثقافية، رغم ما تحمله من معرفة وأثر، لا تنال إلا قدرًا ضئيلًا من الاهتمام، بينما تتصدر المشاهدات والتفاعلات موضوعات لا تتجاوز حدود الترفيه اللحظي. وكأن قيمة المحتوى لم تعد تُقاس بما يقدمه من فكر، بل بقدرته على إثارة الفضول وجذب الانتباه، ولو لثوانٍ معدودة.
إن هذا الواقع يفرض تساؤلًا جوهريًا: كيف يمكن لمجتمعٍ أن يتقدم وهو يستهلك يوميًا كمًا هائلًا من المحتوى السطحي، ويصرف بصره عن كل ما يسهم في بناء وعيه وثقافته؟ فالمشكلة لا تكمن في مشاركة الناس تفاصيل حياتهم، بل في أن يصبح هذا النوع من المحتوى هو المهيمن على المشهد، بينما يُهمَّش كل ما يحمل رسالةً أو قيمةً أو مشروعًا فكريًا.
ولا يقف الأمر عند حدود وسائل التواصل الاجتماعي، بل يمتد إلى الفن الذي كان، في جوهره، رسالةً إنسانية وأداةً لتهذيب الذوق وبناء الوعي. فقد ابتعد الفن، في كثير من صوره المعاصرة، عن رسالته الأولى، حتى غدا ظلًا باهتًا لما كان عليه. ولم يعد المسرح، في كثير من تجاربه، يجسد تلك المكانة التي عرفها في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، حين كان مرآةً للحقيقة، ولسانًا ينطق بآلام الإنسان وآماله، ويجعل المتلقي يرى نفسه وهمومه على خشبة المسرح.
أما اليوم، فقد انحدرت أعمالٌ فنية كثيرة إلى مستوى السطحية، وأصبحت بعض المسلسلات والبرامج تستميل الغرائز أكثر مما تخاطب العقول، وتغذي الاستهلاك الفكري بدل أن توقظ الوعي. وبدل أن يكون الفن وسيلةً لترسيخ قيم الجمال والسلام والإنسانية، غدا في كثير من الأحيان أداةً لتكريس التفاهة وتسويقها، حتى فقد جزءًا كبيرًا من رسالته الثقافية والتربوية.
وفي الأماكن الثقافية والمهرجانات، لا يكون كل ما يُعرض بريئًا كما يبدو؛ فهناك ما يُعرف بالستار الدخاني، ذلك الذي ينسج حضوره بهدوء، حتى يسرق الأضواء من الفكرة الحقيقية ويقود الأنظار إلى ما يريد هو أن يُرى.
ينشأ هذا الستار غالبًا من خلال كتاب، أو محتوى، أو نشاطٍ يُروَّج له داخل مهرجان أو فعالية ثقافية، فيتحول الحدث من مساحةٍ للمعرفة والحوار إلى وسيلةٍ لتمرير أفكارٍ تستهدف الشهرة والانتشار أكثر مما تستهدف بناء الوعي.
وفي أحد الأماكن التي زرتها، رأيت كيف استُغل حدثٌ ثقافي من قبل جهاتٍ غير معروفة لترويج أفكارها السامة والمستهلكة، محاولةً استثمار الحضور الجماهيري لصناعة ضجيجٍ يطغى على الرسالة الحقيقية للمهرجان. عندها أدركت أن الستار الدخاني لا يُخفي الحقيقة فحسب، بل يحاول أن يصنع حقيقةً بديلة.
كانت الساعة تشير إلى السابعة والربع مساءً، وكنت حاضرًا في أحد المهرجانات الثقافية في العاصمة بغداد، حين أُقيم حفلٌ غنائي لما قيل إنها مجموعةٌ شبابية. لكن المشهد، شيئًا فشيئًا، كشف وجهه الآخر، واتضح للجميع أنه لم يكن سوى عرضٍ تسويقي لا يمت إلى هوية المهرجان الثقافية بصلة.
وفي اليوم التالي، سارعت إدارة المهرجان إلى التبرؤ مما حدث، مؤكدةً أن ذلك النشاط لا يمثل المهرجان بأي شكلٍ من الأشكال. كان موقفًا مسؤولًا، هدفه حماية صورة الحدث والحفاظ على بريقه، بعد أن نجح في رسم صورةٍ مشرقة للمدينة.
ومع ذلك، لم ينجح الستار الدخاني في حجب الحقيقة؛ فقد بقي المهرجان واقفًا على رسالته، ولم تتأثر نجاحاته بما جرى، لأن القائمين عليه تعاملوا مع الموقف بحكمةٍ ومسؤولية، بما يليق بالمهرجان وجمهوره، لتبقى الفكرة أقوى من الضجيج، وتبقى الثقافة قادرةً على استعادة صوتها مهما حاولت الضوضاء أن تطغى عليه.


