• Home  
  • عندما يصبح الطفل ثمناً للخلاف
- امرأة ومجتمع

عندما يصبح الطفل ثمناً للخلاف

لمى النقاش ليس أصعب على طفل من أن يُنتزع من ذراعي أمه، ولا أقسى على أم من أن ترى ابنها يُساق بعيداً عنها بحكم قضائي، بينما تقف عاجزة أمام دموعه ودموعها. قد يقال إن القانون يُطبَّق، وإن النصوص تُنفَّذ، لكن السؤال الذي يجب أن يسبق كل ذلك هو: لصالح من؟ القوانين وُجدت لحماية الإنسان لا […]

لمى النقاش

ليس أصعب على طفل من أن يُنتزع من ذراعي أمه، ولا أقسى على أم من أن ترى ابنها يُساق بعيداً عنها بحكم قضائي، بينما تقف عاجزة أمام دموعه ودموعها.

قد يقال إن القانون يُطبَّق، وإن النصوص تُنفَّذ، لكن السؤال الذي يجب أن يسبق كل ذلك هو: لصالح من؟

القوانين وُجدت لحماية الإنسان لا لتحويله إلى ضحية لها، فإذا انتهى تطبيق القانون إلى فصل طفل عن أمه رغم عدم وجود تعنيف أو إهمال أو خطر يهدد سلامته، فإن من حق المجتمع أن يتساءل: هل حقق القانون العدالة، أم اكتفى بتطبيق نص جامد؟

إن تعديل قانون الأحوال الشخصية في العراق أثار منذ إقراره جدلاً واسعاً بين الحقوقيين ومنظمات المجتمع المدني، ولا سيما في القضايا المتعلقة بالحضانة واختيار الأحكام المذهبية، بسبب المخاوف من أن يؤدي تطبيق بعض الأحكام إلى الإضرار باستقرار الطفل والأسرة، وقد حذرت جهات حقوقية من أن بعض التعديلات قد تجعل معيار السن أو الانتماء المذهبي يتقدم على التقييم الفردي لمصلحة الطفل.

بل إن تقرير هيومن رايتس ووتش لعام 2026 ذهب إلى نقطة أكثر تحديداً، إذ ذكر أن مدونة الأحوال الشخصية الجعفرية تنقل تلقائياً مسؤولية ورعاية الأطفال إلى الأب بعد سن السابعة، بغض النظر عن المصلحة الفضلى للطفل، واعتبر ذلك من التراجعات في حقوق النساء والأطفال.

إن الأم ليست مجرد شخص يطعم الطفل ويكسوه، بل هي ذاكرته الأولى، وصوته الذي يطمئنه، والوجه الذي تعلّم منه معنى الأمان. واقتلاع طفل من بيئته النفسية المستقرة لا ينبغي أن يكون إجراءً اعتيادياً، بل استثناءً لا يُلجأ إليه إلا إذا كانت مصلحته الحقيقية تقتضي ذلك.

الأخطر من ذلك أن تتحول الحضانة إلى أداة ضغط وانتقام بين الزوجين، فعندما يشعر أحد الطرفين أن القانون يمنحه وسيلة لإيلام الطرف الآخر، فإن أول من يدفع الثمن هو الطفل، الذي يصبح ساحةً لمعركة لم يخترها.

إن أي تشريع عادل يجب أن يطرح سؤالاً واحداً قبل إصدار الحكم: ما الذي يحفظ مصلحة هذا الطفل؟ لا: من الذي انتصر في النزاع؟

كما أن من حق المجتمع أن يناقش التشريعات ذات المرجعية الدينية، لأن الاجتهادات الفقهية متعددة، ولأن تحويل اجتهاد فقهي معين إلى قانون ملزم للمجتمع هو قرار تشريعي يخضع للنقاش والتقييم، إن نقد القانون أو المطالبة بتعديله ليس إساءة إلى الدين، بل هو ممارسة مشروعة في أي دولة تسعى إلى تطوير تشريعاتها بما يحقق العدالة ويحفظ كرامة الإنسان.

فالعدالة لا تُقاس بمدى التزامها بحرف النص فحسب، بل بقدرتها على حماية الأضعف، وفي قضايا الحضانة يبقى الأضعف دائماً هو الطفل.

فإذا كان القانون ينجح في تنفيذ الحكم، لكنه يفشل في حماية قلب طفل، فإن المجتمع لا يحتاج إلى تنفيذ أكثر صرامة، بل إلى مراجعة أكثر إنسانية.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026