
صبحي البدري – رئيس التحرير
بينما يتوجه رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى واشنطن في أول زيارة خارجية له منذ توليه منصبه، تحمل حقيبته الدبلوماسية أكثر من مجرد أوراق ومذكرات تفاهم. إنها زيارة تُقرأ في سياق داخلي معقد، حيث تتقاطع ملفات مكافحة الفساد، وقوننة الفصائل، والشراكة الاقتصادية مع واشنطن. تأتي زيارة الزيدي في توقيت بالغ الحساسية، إذ تتزامن مع أول حملة واسعة لمكافحة الفساد أطلقها منذ توليه منصبه في منتصف مايو الماضي، ومع تحركات أميركية ودولية متسارعة في المنطقة.
شهد العراق في 28 حزيران الماضي حملة اعتقالات واسعة النطاق وصفت بأنها “الأولى من نوعها والأبرز لحكومة عراقية لم يتجاوز عمرها شهرين”، عُرفت باسم “صولة الفجر”، وكشفت عن تورط 21 متهماً بينهم أكثر من 10 نواب في البرلمان، وضبطت أموالاً تقدر بنحو 100 مليون دولار.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل هذه الحملة مدفوعة بدوافع وطنية بحتة كما يؤكد الزيدي، أم أنها جاءت “استجابة لحاجة وطنية أم أنها تمثل تمهيداً لزيارة رئيس الوزراء إلى الولايات المتحدة”؟ الواقع أن الحملة حققت إنجازات ملموسة، لكن فقدانها الزخم بعد أيام من انطلاقها يثير الشكوك حول جديتها، ويجعلها تبدو أقرب إلى “حملة لتربية الآخرين وجرهم إلى بيت الطاعة” كما يردد النقاد، لا إلى مشروع إصلاحي جذري.
على صعيد الفصائل المسلحة، قطع الزيدي خطوات مهمة بإعلان تشكيل لجنة لفك ارتباط فصيلين مسلحين من هيئة الحشد الشعبي، وتسليم عدد من الفصائل لسلاحها وإعلان اندماجها الكامل مع هياكل الدولة. لكن خمس فصائل بارزة أخرى أعلنت رفضها التخلي عن سلاحها، مع تجديد تمسكها بتوجيهات المرشد الإيراني السابق.
وهنا يكمن جوهر المعضلة: واشنطن تريد من الزيدي “فك الارتباط” مع إيران وتفكيك الفصائل، لكنه في المقابل يواجه “خطوطاً حمراء” إيرانية رافضة لهذه الخطوة. والسؤال: هل ستطلب واشنطن من الزيدي “ضبط الداخل العراقي” مقابل عدم التدخل في إيران أو لبنان؟
على الجانب الاقتصادي، يحمل الزيدي إلى واشنطن مشروعاً طموحاً يتمثل في إنشاء “صندوق للطاقة والتنمية”، يمول من إيرادات 500 ألف برميل نفط يومياً، وقد يصل إلى مليوني برميل. ويتوقع أن تبلغ تمويلاته 400 مليار دولار خلال 30 عاماً، في مشروع يهدف إلى تحويل العلاقة مع واشنطن من “شراكة أمنية إلى شراكة اقتصادية طويلة الأجل”.
هذا المشروع، إن تحقق، قد يكون نقلة نوعية في العلاقات العراقية – الأميركية، ويُحدث تحولاً من “الجغرافية السياسية والأمنية إلى الجغرافية الاقتصادية”. لكنه يظل رهيناً بقدرة الزيدي على تثبيت الاستقرار الداخلي وجذب الاستثمارات، في وقت لا تزال فيه تسع وزارات شاغرة، والفصائل المسلحة تلوح بسلاحها.
نجاح الزيدي في زيارته يتوقف على عدة عوامل:
أولاً: قدرته على تقديم إنجازات ملموسة في ملف مكافحة الفساد، لا مجرد وعود وحملات إعلامية. فالإدارة الأميركية، كما المستثمرين، تريد رؤية نتائج على الأرض، لا خطابات إنشائية.
ثانياً: مدى تمكنه من إقناع واشنطن بأنه قادر على إدارة ملف الفصائل دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية قد تكلفه استقرار البلاد. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل ستكتفي واشنطن بخطوات تدريجية، أم ستصر على حلول جذرية قد تضع الزيدي في مواجهة مفتوحة مع القوى النافذة؟
ثالثاً: نجاحه في تسويق زيارة واشنطن داخلياً كمكسب للعراق، لا كتنازل للخارج. فالرأي العام العراقي، الذي تذوق مرارة الفساد والتبعية، لن يرضى بأن تكون زيارته مجرد “رحلة طاعة” للبيت الأبيض.
يبقى السؤال الأهم: هل الزيدي رجل الإصلاح الحقيقي، أم أنه مجرد حلقة جديدة في سلسلة طويلة من رؤساء الوزراء الذين استهلكتهم التناقضات الداخلية والضغوط الخارجية؟ الأيام المقبلة، كفيلة بالإجابة.


