• Home  
  • الحصانة البرلمانية… حماية للديمقراطية أم ملاذ للفاسدين؟
- رأي ومقالات

الحصانة البرلمانية… حماية للديمقراطية أم ملاذ للفاسدين؟

اسعد كامل البديري في كل مرة تُثار فيها قضية تتعلق برفع الحصانة عن أحد أعضاء مجلس النواب، يعود الجدل إلى الواجهة، بين من يعتقد أن الحصانة أصبحت وسيلة للإفلات من العقاب، وبين من يؤكد أنها ضرورة دستورية لحماية استقلال السلطة التشريعية من الضغوط السياسية أو التنفيذية. وبين هذين الرأيين تبقى الحقيقة مرتبطة بالنصوص الدستورية وبكيفية […]

اسعد كامل البديري

في كل مرة تُثار فيها قضية تتعلق برفع الحصانة عن أحد أعضاء مجلس النواب، يعود الجدل إلى الواجهة، بين من يعتقد أن الحصانة أصبحت وسيلة للإفلات من العقاب، وبين من يؤكد أنها ضرورة دستورية لحماية استقلال السلطة التشريعية من الضغوط السياسية أو التنفيذية.

وبين هذين الرأيين تبقى الحقيقة مرتبطة بالنصوص الدستورية وبكيفية تطبيقها لا بالشعارات أو الانفعالات.

لقد شرعت الدساتير الحديثة الحصانة البرلمانية بوصفها ضمانة لحرية النائب في أداء واجبه التشريعي والرقابي حتى لا يكون عرضة للابتزاز أو الترهيب أو الملاحقة الكيدية بسبب مواقفه السياسية. فالحصانة لم تُشرَّع لحماية الأشخاص وإنما لحماية المؤسسة التشريعية وضمان أن يؤدي ممثلو الشعب وظائفهم باستقلالية تامة.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الحصانة في نظر البعض إلى مظلة تمنع وصول العدالة إلى من تحوم حوله شبهات ارتكاب جرائم أو مخالفات جسيمة.

وهنا يصبح من الضروري التذكير بأن الدستور العراقي لم يجعل الحصانة مطلقة بل وضع آليات واضحة لرفعها متى اقتضت العدالة ذلك.

فأثناء الفصل التشريعي يتطلب رفع الحصانة موافقة مجلس النواب بالأغلبية المطلقة لعدد أعضائه وهي آلية تهدف إلى منع استغلال القضاء أو السلطة التنفيذية للتأثير في عمل البرلمان.

أما خلال العطلة التشريعية فإن الدستور منح رئيس مجلس النواب صلاحية الموافقة على رفع الحصانة إذا كان الطلب يتعلق باتهام بجناية أو بحالة الجرم المشهود.

ومن المهم الإشارة إلى أن العطلة التشريعية لا تعني تعطيل عمل مجلس النواب أو توقف مؤسسات الدولة، وإنما تعني فقط توقف الجلسات الاعتيادية مع بقاء إمكانية عقد جلسات استثنائية عند الحاجة وفقًا لما رسمه الدستور والنظام الداخلي للمجلس.

إن هذه الأحكام تكشف أن المشرّع الدستوري سعى إلى تحقيق توازن دقيق بين أمرين الأول حماية المؤسسة التشريعية من أي استهداف سياسي، والثاني عدم تحويل الحصانة إلى جدار يحول دون تطبيق القانون.

وفي ظل ما تشهده الساحة العراقية من حملات لملاحقة المطلوبين للقضاء وتنفيذ أوامر القبض الصادرة عن الجهات القضائية المختصة تبرز أهمية احترام الإجراءات القانونية والدستورية في التعامل مع جميع الحالات سواء كان الشخص يتمتع بالحصانة النيابية أم لا.

فغير المشمولين بالحصانة يخضعون للإجراءات القانونية الاعتيادية أما المشمولون بها فتُتبع بحقهم الآليات الدستورية المقررة من دون أن يعني ذلك إعفاءهم من المساءلة.

إن بناء دولة المؤسسات لا يتحقق بالشعارات بل باحترام القانون في جميع مراحله بدءًا من جمع الأدلة والتحقيق وانتهاءً بصدور الأحكام القضائية.

كما أن مكافحة الفساد والجريمة لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لتصفية الخصومات السياسية تمامًا، كما لا يجوز أن تُستخدم الحصانة ذريعة لتعطيل العدالة أو حماية من تثبت بحقهم مخالفات جسيمة.

إن المواطن العراقي الذي عانى طويلًا من الفساد وسوء الإدارة لم يعد يبحث عن خطابات حماسية بقدر ما يبحث عن تطبيق عادل للقانون يرى فيه أن الجميع يقفون أمام القضاء على قدم المساواة وأن المنصب أو النفوذ أو الصفة النيابية لا تمنح أحدًا امتيازًا دائمًا أو حصانة أبدية.

ولهذا، فإن المرحلة الحالية تتطلب من جميع السلطات أن تلتزم بالدستور نصًا وروحًا وأن تُنفذ الإجراءات القانونية بعيدًا عن الضغوط السياسية والإعلامية لأن العدالة الحقيقية لا تُقاس بعدد الموقوفين وإنما بسلامة الإجراءات ونزاهة الأحكام واستقلال القضاء.

وفي النهاية تبقى الرسالة الأهم أن الحصانة البرلمانية ليست نهاية الطريق وإنما إجراء دستوري مؤقت ينظم آلية المساءلة.

أما الكلمة الأخيرة فيجب أن تبقى للقضاء وحده لأنه الضامن لحقوق الأفراد والحارس لمبدأ سيادة القانون والميزان الذي لا يستقيم بناء الدولة من دونه.

وعندما يكون الدستور هو المرجع والقانون هو الفيصل والقضاء هو الحكم فإن الدولة تقترب من تحقيق العدالة التي ينشدها المواطن ويصبح الجميع مهما علت مناصبهم أو اختلفت مواقعهم خاضعين لسلطان القانون وهو المبدأ الذي تقوم عليه الدول الحديثة وتُصان به هيبة الدولة وثقة المجتمع بمؤسساته.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026