الإثنين, 3 أغسطس 2026
  • Home  
  • الأسرة بين ذاكرة الأمس وضجيج العصر
- رأي ومقالات

الأسرة بين ذاكرة الأمس وضجيج العصر

حسن جواد الحساني ليست الأسرة مجرد رابطة دم، ولا مؤسسة اجتماعية تنظمها القوانين، بل هي أول وطن يسكنه الإنسان، قبل أن يعرف الأوطان. وأول لغة يتعلم بها معنى الحب، وأول مدرسة يتلقى فيها دروس الرحمة والعدل والكرامة. لذلك لم يكن غريبًا أن ينظر كبار الأدباء والفلاسفة إلى الأسرة، بوصفها حجر الأساس، الذي تقوم عليه الحضارة […]

حسن جواد الحساني

ليست الأسرة مجرد رابطة دم، ولا مؤسسة اجتماعية تنظمها القوانين، بل هي أول وطن يسكنه الإنسان، قبل أن يعرف الأوطان. وأول لغة يتعلم بها معنى الحب، وأول مدرسة يتلقى فيها دروس الرحمة والعدل والكرامة.

لذلك لم يكن غريبًا أن ينظر كبار الأدباء والفلاسفة إلى الأسرة، بوصفها حجر الأساس، الذي تقوم عليه الحضارة الإنسانية، لأن انهيار البيت هو البداية الصامتة لانهيار المجتمع كله.

كتب ليو تولستوي في افتتاحية روايته (آنا كارينينا) عبارته الشهيرة:

(كل الأسر السعيدة تتشابه، أما الأسر التعيسة فلكل منها طريقتها الخاصة في التعاسة). ولم يكن يقصد أن السعادة وصفة واحدة بل أراد أن يبين أن الاستقرار الأسري يقوم على قيم ثابتة مثل الاحترام والتضحية والحوار. بينما تتعدد أسباب الانهيار بتعدد أوجه الأنانية واللامبالاة.

كانت الأسرة في الماضي تمتلك ما لا تستطيع التكنولوجيا أن تمنحه اليوم.. كانت تمتلك الوقت. كان أفرادها يجتمعون حول مائدة واحدة، لا لأن الطعام كان وفيرًا بل لأن القلوب كانت أكثر حضورًا.

كانت الأم تروي الحكايات، والأب ينقل خبرته بالحياة، والجد يحفظ ذاكرة العائلة، فينشأ الطفل وهو يشعر بأنه امتداد لجذور عميقة لا مجرد فرد يعيش في عزلة…

لم تكن البيوت أكثر ثراءً، لكنها كانت أكثر دفئًا، ولم تكن الحياة أقل مشقة، لكنها كانت أكثر قدرة على إنتاج المعنى. ولعل جبران خليل جبران في كتابه (النبي) قد لامس جوهر العلاقة الأسرية حين قال:

(أولادكم ليسوا لكم، أولادكم أبناء الحياة المشتاقة إلى نفسها).

إنها عبارة تختصر فلسفة التربية الحديثة فالأبناء ليسوا ممتلكات بل أرواح تحتاج إلى الحب والتوجيه والحرية في آنٍ واحد.

فالأسرة الحقيقية لا تصنع نسخًا متشابهة من الآباء وإنما تصنع إنسانًا قادرًا على التفكير والاختيار. لكن الزمن تبدّل وأصبحت البيوت أكثر اتساعًا بينما ضاقت المسافات بين القلوب.

دخلت التكنولوجيا كل غرفة حتى أصبحت الشاشات ضيفًا دائمًا على موائد الطعام ثم تحولت تدريجيًا إلى جدار غير مرئي يفصل أفراد الأسرة عن بعضهم.

أصبح الجميع متصلين بالعالم لكنهم في كثير من الأحيان منفصلون عن أقرب الناس إليهم.

لقد حذر الفيلسوف الألماني إريك فروم في كتابه (فن الحب) من أن “الإنسان الحديث يظن أن امتلاك الوسائل الحديثة يكفي لصناعة العلاقات، بينما الحقيقة أن الحب مهارة ومسؤولية وممارسة يومية”.

فالعلاقات الأسرية لا تُبنى بسرعة الإنترنت، بل بصبر الإصغاء وصدق الحوار والقدرة على منح الوقت لمن نحب.

أما جورج أورويل فقد قدّم في أعماله تحذيرًا من المجتمعات التي تستبدل العلاقات الإنسانية بالأنظمة الجامدة والرقابة الدائمة.

ورغم أن حديثه كان سياسيًا في ظاهره فإنه يكشف حقيقة أعمق وهي أن الإنسان حين يفقد دفء العلاقة الإنسانية يصبح أكثر قابلية للاغتراب حتى داخل منزله.

وليس من الإنصاف أن نحمّل التكنولوجيا وحدها مسؤولية هذا التحول. فقد فرضت التحولات الاقتصادية وضغوط العمل وتسارع إيقاع الحياة واقعًا جديدًا جعل كثيرًا من الآباء يقضون ساعات طويلة خارج المنزل وأصبح الأبناء يكبرون في ظل حضور مادي وغياب عاطفي.

وهنا تكمن المفارقة، فالبشر نجحوا في اختصار المسافات بين القارات، لكنهم فشلوا أحيانًا في اختصار المسافة بين غرفة الأب وغرفة ابنه.

ومن الناحية القانونية لا شك أن التشريعات الحديثة وفرت حماية أكبر لحقوق أفراد الأسرة ونظمت مسائل الزواج والطلاق وحضانة الأطفال والنفقة، وهي إنجازات ضرورية لبناء مجتمع عادل. غير أن القانون مهما بلغت دقته لا يستطيع أن يفرض المحبة، ولا أن يكتب مادة تُلزم الناس بالرحمة.

فالقاضي يستطيع أن يحكم بالنفقة لكنه لا يستطيع أن يحكم بالمودة، كما يستطيع أن يعيد الحقوق، لكنه لا يستطيع أن يعيد الطمأنينة إلى بيت فقد لغته الإنسانية..

لقد أدرك دوستويفسكي أن الإنسان يُقاس بقدرته على الرحمة قبل أي شيء آخر، وكان يرى أن الأسرة هي المكان الأول الذي يتعلم فيه الإنسان معنى المسؤولية تجاه الآخر.

فإذا غابت الرحمة من البيت فإن المجتمع كله سيدفع الثمن لاحقًا.

إن الدعوة إلى استعادة قيم الماضي لا تعني إعلان الحرب على الحاضر. فالتاريخ لا يعود إلى الوراء ولا ينبغي له أن يعود. وإنما تعني أن نأخذ من الماضي حكمته ومن الحاضر أدواته.

فالتكنولوجيا يمكن أن تكون وسيلة لتقريب أفراد الأسرة إذا أحسن استخدامها، كما يمكن أن تتحول إلى جدار صامت، إذا استولت على الوقت الذي كان مخصصًا للحوار.

إن الأسرة ليست بناءً من الطابوق والإسمنت، بل بناء من الثقة والاحترام والإنصات. وكل بيت يخلو من الحوار مهما بلغت رفاهيته يبقى بيتًا ناقص الروح. أما البيت الذي تسكنه المحبة فإنه يستطيع أن يواجه قسوة العالم بأكمله.

وربما كان الفيلسوف أرسطو محقًا حين رأى أن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، لكن الحقيقة الأعمق هي أن هذا الكائن لا يتعلم معنى المجتمع إلا من أسرته أولًا.

فإذا صلحت الأسرة صلح المجتمع وإذا تصدعت الأسرة بدأت الحضارة كلها تفقد توازنها بصمت.

وفي النهاية تبقى الأسرة السؤال الذي يطرحه كل جيل على الجيل الذي يليه:

ماذا سنورث أبناءنا؟

بيوتًا أكثر ذكاءً؟

أم قلوبًا أكثر دفئًا؟

فالمجتمعات لا تُقاس بعدد ناطحات السحاب ولا بسرعة شبكات الاتصال وإنما تُقاس بقدرتها على أن تجعل الإنسان يعود إلى بيته وهو يشعر أنه عاد إلى المكان الذي لا يزال يعرف معنى الإنسان.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026