في بلدٍ يزدان بتاريخه الحضاري، وتتحدث نخبه السياسية باستمرار عن هيبة الدولة وسيادة القانون، تظل حماية المرأة العراقية واحدة من أكثر الملفات إيلاماً وإهمالاً، في ظل استمرار جرائم القتل التي تطال النساء، وتتكرر بوتيرة مثيرة للقلق، وسط انتقادات متصاعدة لأداء المؤسسات الرسمية في التعامل معها.
تتحول حياة المرأة في هذا البلد إلى قضية رأي عام فقط بعد أن تسفك دماؤها، حيث يبدأ سباق التصريحات، وتُرفع عبارات التعزية، ويخرج النواب للحديث عن ضرورة تطبيق القانون، ثم يعود كل شيء إلى سابق عهده بمجرد أن يهدأ الغضب الشعبي. وهكذا، تتحول الجرائم التي تستهدف النساء إلى مجرد “أحداث مؤقتة” تُستهلك إعلامياً، دون أن تترك أثراً حقيقياً في سياسات الحماية أو منظومة العدالة.
إن الطبقة السياسية لا تعاني من ضيق الوقت، بل من خلل في ترتيب الأولويات. فهي تجد متسعاً من الوقت للصراع على المناصب، وإبرام الصفقات، وتبادل الاتهامات، لكنها تبدو عاجزة عن تحويل أمن النساء إلى مشروع وطني جاد. وكأن المرأة لا تدخل في حسابات الدولة إلا بوصفها رقمًا انتخابياً أو صورة دعائية.
تُغير الأيام الأسماء: بان زياد طارق، إسراء الطغان، واليوم الدكتورة فيروزة؛ لكن المشهد يبقى نفسه: الحزن ذاته، والغضب ذاته، والصمت ذاته. فالدولة التي تعجز عن حماية نسائها لا يمكنها أن تدّعي نجاحها في حماية مجتمعها بأكمله.
ليست المرأة العراقية بحاجة إلى خطابات التمجيد بعد رحيلها، ولا إلى احتفالات شكلية بيوم المرأة، بل تطالب بأن تعيش بأمان وكرامة وهي على قيد الحياة. إن العار الحقيقي لا يكمن في وقوع الجريمة بحد ذاتها، بل في أن يتحول الصمت المؤسسي إلى سياسة، وأن يصبح التأخر في تحقيق العدالة أمراً معتاداً ومقبولاً. فقوة الدولة لا تُقاس بعدد الخطب والوعود، بل بعدد الأرواح التي تنجح في حمايتها وصون كرامتها.



