صبحي البدري – رئيس التحرير

في مشهد دبلوماسي غير مسبوق، قطع رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي، خلال أسابيع قليلة، شوطاً استثنائياً في إعادة تعريف موقع العراق على خريطة الصراعات الإقليمية، متنقلاً بين واشنطن وطهران وأنقرة. هذه الزيارات المتلاحقة، التي تزامنت مع بلوغ التصعيد العسكري ذروته وامتداد رقعة المواجهات لتطال الأراضي العراقية، لم تكن مجرد جولات بروتوكولية، بل محطة اختبار حقيقية لقدرة الدولة على الإمساك بزمام سياستها الخارجية في خضم إعصار إقليمي. غير أن السؤال الأكثر إلحاحاً يبقى: هل ستنجح هذه الجولة في تعزيز استقرار العراق، أم أنها ستفاقم أزماته، لا سيما مع تصاعد الضربات الجوية على أراضيه وتراجع زخم مكافحة الفساد؟
واشنطن: شراكة أم إملاءات؟
حملت زيارة الزيدي إلى البيت الأبيض أكثر من 48 اتفاقاً مع الولايات المتحدة في مجالات الاقتصاد والطاقة والأمن، قدرت قيمة الاتفاقات النفطية وحدها بنحو 200 مليار دولار، كما تضمنت جدولاً زمنياً لانسحاب القوات الأمريكية بنهاية سبتمبر 2026. غير أن اللقاء أثار انتقادات إيرانية حادة إثر تصريحات ترامب حول مقتل سليماني والمهندس، فيما حاول الزيدي تبني موقف محايد، مؤكداً أن العراق لن يكون رهينة لأي طرف إقليمي. وعلى الصعيد الاقتصادي، كانت واشنطن قد أوقفت شحنة نقدية بنحو 500 مليون دولار للضغط على بغداد، مما جعل الزيارة أشبه بجلسة تفاوض لإعادة ضبط العلاقة، خصوصاً في ملف إدارة عائدات النفط بالدولار، الذي يمنح واشنطن نفوذاً مالياً حاسماً.
طهران: رسائل مزدوجة وتوازنات هشة
بعد أيام من واشنطن، حل الزيدي في طهران للقاء الرئيس بزشكيان، في توقيت بالغ الحساسية وسط تصاعد التوتر الإقليمي. لكن الأجواء كانت مشحونة، إذ جعلته تصريحات ترامب ورد فعله المحايد شخصاً غير مرغوب فيه لدى بعض الأوساط الإيرانية. وسعت طهران لاحتواء الموقف، مؤكدة أن الانتقادات شخصية ولن تؤثر على العلاقات الاستراتيجية.
أنقرة: ملفات المياه والطاقة والأمن
اختتم الزيدي جولته في أنقرة بلقاء الرئيس أردوغان، حاملاً ملفات ثقيلة، على رأسها ملف المياه الذي يمثل معضلة وجودية للعراق. كما بحث الجانبان استئناف تصدير النفط عبر خط الأنابيب العراقي-التركي، وسط شروط تركية جديدة “صعبة القبول”، لكن إغلاق مضيق هرمز جعل من أنقرة خياراً استراتيجياً لا غنى عنه.
التصعيد العسكري والفساد: اختبار مزدوج
بينما كان الزيدي في جولته، شنت القوات الأمريكية والسعودية غارات استهدفت مقرات الحشد الشعبي في سبع محافظات، رداً على هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت منشآت سعودية، مما وضع الحكومة في مأزق بين الدفاع عن السيادة وخطر الانجرار إلى حرب إقليمية. والأكثر تضرراً كان ملف مكافحة الفساد، إذ صرفت الحكومة أنظارها عن عملية “الفجر” التي كانت قد استهدفت كبار البيروقراطيين وضبطت أكثر من 106 ملايين دولار، لتتجه إلى الرد على الاعتداءات الخارجية واحتواء غضب الفصائل، مما يثير مخاوف من تراجع زخم المحاسبة، ومنح الفصائل مبرراً للتمسك بسلاحها.
تأثير الجولة على المجتمع: أمل وخوف
على المستوى الشعبي، تركت الجولة انطباعات متباينة. فرأى فيها البعض خطوة لاستعادة دور العراق الإقليمي، وآفاقاً اقتصادية جديدة. لكن آخرين اعتبروها غير مجدية في تحسين حياة المواطن، مع استمرار تأخر الرواتب وارتفاع الأسعار، وازدياد القلق جراء التصعيد العسكري.
اختبار الدولة
ما يمر به العراق هو اختبار حقيقي لقدرة الدولة على التوفيق بين المصالح المتضاربة للقوى الإقليمية والدولية. والسؤال الأكبر: هل ستتحول هذه الزيارات إلى مكاسب فعلية، أم تبقى حبيسة التناقضات؟ فالعراق بحاجة إلى مشروع وطني جامع يعيد بناء الثقة ويؤسس لدولة القانون، وإلا ستبقى هذه الجولة مجرد حلقة أخرى في سلسلة أزمات متجددة، تاركة العراق متفرجاً على مصيره لا صانعاً له.


