
آكار تاج الدين
لم تكن الأحزاب الشيوعية واليسارية العربية مجرد تنظيمات سياسية عابرة، بل كانت لسنوات طويلة صوت العدالة الاجتماعية، ونبض المدن الفقيرة، وضمير الطبقات المهمشة. خاضت معارك التحرر الوطني وكافحت الاستعمار والاستبداد، ودفعت أثماناً باهظة من دماء كوادرها ومناضليها. لكن السؤال المرير اليوم: كيف يمكن لهذا التاريخ النضالي أن يتحول إلى مجرد “علامة تجارية” يرفعها البعض للحصول على شرعية لا يستحقونها؟ وكيف وصلت أحزاب كانت تعتبر “مدارس للفكر النضالي” إلى حالة من التشرذم والانتهازية تجعلها تتحالف مع “من لا يمكن التهامه”؟
عندما تفقد الأحزاب اليسارية قدرتها على بناء علاقة عضوية مع الجماهير، تلجأ إلى خطابين بديلين: إما الشعبوية الرخيصة التي تختزل قضايا معقدة في شعارات جذابة، أو الديماغوجية التي تستخدم لغة “العدو الثوري” و”اللجنة المركزية” و”التحرير الوشيك” لتغطية عجزها الفعلي. كثير من التنظيمات اليسارية العربية، وخصوصاً في بلدان مثل سوريا والعراق ولبنان، حوّلت نفسها إلى “آلات خطابية” تستهلك طاقة كوادرها في صياغة بيانات نارية لا تتحول إلى أفعال، وتنظيم مسيرات احتجاجية تنتهي عند أبواب البرلمان أو مقار الأحزاب الحاكمة.
هذه الديماغوجية خدعت في البداية بعض الشباب المثالي، لكنها مع الوقت كشفت نفسها. فالحزب الذي يهاجم الرأسمالية لسنوات ثم لا يقدم أي بديل حقيقي لتحسين أوضاع عمال المصنع المجاور، أو يندد بالفساد لكنه يقدم تنازلات لإحدى العائلات النافذة في منطقته، يصبح مجرد “نادي كلام” لا أكثر.
عانى اليسار العربي، شأنه شأن اليسار العالمي، من صدمة تفكك الاتحاد السوفيتي وتراجع مشروع الاشتراكية كنظام بديل. لكن الرد العربي على هذه الصدمة كان كارثياً بالنسبة للكثير من الأحزاب، إما انكفاء كلي إلى التنظير العقيم، أو تحول سريع نحو “يسار السلم والبرلمان” دون أي برنامج اجتماعي حقيقي. لكن الأشد إيلاماً كان ظهور ما يمكن تسميته “براغماتية البقاء”؛ فالحزب الذي لم يعد يستطيع التأثير في الشارع، أو حتى جذب كوادر جديدة بدأ يبحث عن أي “حليف” يضمن له موطئ قدم في النظام أو في المشهد السياسي.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى، أحزاب كانت شعاراتها “لا شرقية ولا غربية، اشتراكية تحررية” و”على طريق لينين” تتفاوض وتتحالف مع قوى كانت قبل عقود توصف بأنها “الشيطان” أو “أدوات الإمبريالية” أو “العملاء”. نعم، السياسة فن التحالفات، لكن هناك فرق بين التحالف التكتيكي المنضبط، وبين تحول وسائل النضال السابقة إلى غطاء للقفز على السلطة.
إن التحالف مع “الشيطان” هنا لا يعني بالضرورة تحالفاً أخلاقياً مع نظام فاسد أو قوة احتلال، بل يعني التخلي عن الجوهر اليساري. الدفاع عن الطبقات الكادحة، ومعادلة أي شكل من أشكال التسلط، والنضال من أجل مجتمع تعددي عادل. عندما يتحول اليساريون إلى مجرد لاعبين في لعبة “توازن القوى” دون أي بوصلة أيديولوجية، فإنهم يتخلون عن تاريخهم النضالي قبل أن يتخلوا عن جمهورهم.
وللنبش في معرفة لماذا وصلوا إلى هذا المستوى؟ بكل تأكيد ثمة أسباب تنظيمية وفكرية:
1. شيخوخة القيادات وأزمة التجديد الداخلي: كثير من الأحزاب اليسارية العربية يقودها نفس الوجوه منذ أربعين أو خمسين عاماً. هذه القيادات، التي قد تكون بطولية في سجلات الاعتقال والنفي، غالباً ما تكون غير قادرة على مواكبة تحولات الرأسمالية المعولمة، أو على الرد على أسئلة الشباب حول الهوية والرقمنة والعمل الحر. والنتيجة تكون تحول الحزب إلى “عشيرة” أو “مافيا صغيرة” تتمسك بمراكزها وتستبعد أي إصلاح داخلي.
2. غياب الديمقراطية الداخلية: المفارقة أن أحزاباً تدعو لديمقراطية المجتمع تفتقد لأبسط آليات الديمقراطية داخل مؤسساتها. لا انتخابات حرة، لا محاسبة للقيادة، لا تقارير مالية شفافة. هذا الخلل ينتج نمطاً من السياسة “الأبوية”، القائد “لا يخطئ”، والحزب هو “البيت الكبير” الذي لا يُنقد علناً. وعندما يترسخ هذا الاستبداد المصغر، تصبح الانتهازية سمة، الكادر الجديد لن يبقى إلا إذا “أطاع” وأغلق عينيه عن تناقضات الحزب.
3. الانفصال عن الطبقة العاملة والفقيرة: كانت الأحزاب الشيوعية العربية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي جزءاً من حياة العمال والفلاحين. اليوم، معظم كوادرها مثقفون حضريون من الطبقة الوسطى، يقيمون في أبراج عاصمة أو مدينة كبرى، ونادراً ما ينزلون إلى المناطق العشوائية أو حقول النفط أو ورش النسيج. هذا الانفصال التنظيمي يولد خطاباً “نخبوياً” محبباً للجامعيين المهمشين، لكنه مكروه من قبل الجماهير الشعبية.
4. التأثير الإقليمي والإفلاس الأيديولوجي: الربيع العربي رفع آمالاً يسارية ثم سحقها. الأزمة السورية والحرب على إيران على سبيل المثال قسمت اليسار العربي إلى معسكرين: مؤيد للنظام السوري والإيراني (بدعوى مقاومة الإمبريالية والتكفيريين) ومعارض له (بدعوى الدفاع عن حقوق الإنسان والثورة). هذا الانقسام لم ينجب يساراً جديداً، بل أنتج أطرافاً صغيرة تلتصق بأذيال القوى الإقليمية. بعض التنظيمات تحالفت مع إيران وبعضها مع تركيا وبعضها مع قطر، وكأن البوصلة اليسارية اختُزلت في “محور” هذا ضد “محور” ذاك.
ليس كل اليسار العربي مريضاً، ولا كل الأحزاب الشيوعية قد أسقطت أعلامها. هناك تجارب مشرقة، وإن كانت هامشية. لكن النهضة الحقيقية تتطلب:
– مراجعة جذرية لأساليب العمل التنظيمي، وإفساح المجال للأجيال الجديدة.
– إعادة بناء علاقات عضوية وديمقراطية مع الطبقات الشعبية، ليس عبر خطاب، بل عبر العمل اليومي في مشاكلها (النقل، الصحة، التعليم، الإيجارات).
– الاعتراف الصريح بالأخطاء، بما فيها تحالفات “الشيطان” السابقة، والبدء من نقطة الصدق السياسي.
– ابتكار خطاب يساري جديد يتناسب مع العصر الرقمي واقتصاد التشاركي، دون التخلي عن القيم الاشتراكية الثابتة: العدالة، والمساواة، والكرامة.
الأحزاب اليسارية والشيوعية العربية ليست ميتة سريرياً، لكنها تعاني من مرض مزمن. فقدان الثقة الشعبية، وتصلب الشرايين التنظيمي، وانتشار “لقاح” الشعبوية والبراغماتية الرخيصة. إذا استمر هذا الاتجاه، سيبقى اليسار مجرد “نادي ذاكرة” يفتخر بماضيه لكنه يموت يومياً في حاضره. أما إذا امتلكت الجيل الجديد من قياداتها الشجاعة لمراجعة المسار، وفتح الأبواب أمام الدماء الجديدة، واستعادة النضال الحقيقي (وليس التمثيلي) للطبقات الكادحة، فإنه لا يزال ممكناً أن يخرج اليسار العربي من قمقمه، لا كمنقذ مزعوم، بل كقوة نقدية وتنظيمية حقيقية في وجه الأنظمة الرأسمالية المستبدة.
“ليس الفقر عاراً، بل عار العجز عن تغييره”. هذه المقولة التي رفعها الشيوعيون العرب في سجونهم ما زالت صالحة. لكن تطبيقها اليوم لا يحتاج إلى شعارات، بل إلى إرادة جبارة لكسر أقفال الماضي، والنظر إلى المستقبل بعيون لا تخاف من الحقيقة.


