
أحمد عز الدين
اللغة ظاهرة طبيعية واجتماعية في المجتمع، وهي نقطة التفاهم والتواصل بين البشر، ولها دور مهم في تقدم حياة الانسان واستمرار الحضارة، لأن الانسان من دون لغة لا يستطيع أن ينقل أفكاره ومشاعره وتجاربه إلى الآخرين.
اللغة هي الأداة التي تؤدي إلى تطوير حياة الفرد والمجتمع، فهي حاملة للقيم والثقافة والفكر وقدسية المجتمع، ومن خلال اللغة يتم الحفاظ على تاريخ الشعوب وهويتهم، فكل شعب يعرف بلغته، واللغة تعد من أهم أسس وجود الأمم.
يعود تاريخ اللغة إلى بدايات البشرية، فمنذ ظهور الانسان على الأرض ظهرت اللغة أيضاً، وشهدت تطوراً مستمراً مع مرور الزمن، في البداية احتاج الانسان إلى وسيلة يستطيع من خلالها ايصال مقاصده واحتياجاته، لذلك بدأت اللغة بشكل بسيط ثم تطورت تدريجياً.
وقد مرت اللغة بعدة مراحل مختلفة؟
1_ لغة الصراخ
كانت وسيلة بدائية للتواصل بين البشر، لكي يتمكنوا من فهم بعضهم البعض ونقل حاجاتهم وتحذيراتهم من الأخطار، وقد استخدمت هذه اللغة غالباً للتنبيه والتعاون بين الأفراد.
2_ لغة الاشارة
كانت هذه المرحلة أكثر تطوراً من المرحلة السابقة، واصبحت وسيلة أفضل للتواصل والتفاهم، استخدم الانسان الرموز والرسومات لنقل الأفكار والأحداث، ومن خلال هذه اللغة استطاع البشر تفسير حضارات قديمة مثل سومر ومصر، وما زالت حتى اليوم الواح طينية ونقوش حجرية كثيرة تحمل رموزا وكتابات من تلك الازمنة.
3_ اللغة المنطوقة
وهي أكثر مراحل اللغة تطوراً التي وصل إليها الانسان، واصبحت أفضل وأسرع وسيلة للتواصل بين البشر، لأنها منحت الانسان القدرة على نقل المشاعر والأفكار والمعرفة. ومن خلال هذه اللغة استطاع البشر نقل العلوم والتجارب من جيل إلى آخر.
ترتبط اللغة ارتباطاً مباشراً بالثقافة، فإذا كانت الثقافة (كأساً من الماء، فإن اللغة هي الماء نفسه)، ولهذا كانت اللغة عبر التاريخ حافظة للثقافة وهوية الفرد والمجتمع. فكثير من العادات والتقاليد والقصص والأفكار لم تبق إلا من خلال اللغة.
ومن الناحية الأدبية والشعرية، كان للغة دوراً بالغ الأهمية. فمن الأساطير إلى الشعر والقصص، أصبحت اللغة إطاراً لحفظ فكر المجتمع وثقافته.
على سبيل المثال
_ الأناشيد التاريخية لـ الفيداس (الفيذا) التي تشكل الأساس الفكري والروحي للهند.
_ النصوص القديمة لـ الأفيستا في کوردستان.
_ ملحمة إينوما إيليش (قصة الخلق البابلية) التي توضح نظرة السومريين والأكديين للكون.
_ النصوص القديمة للكنعانين وتسمية آلهتهم (مثل ياهوفا وإلوهيم).
وعبر التاريخ ارتبطت السلطة والحكم دائماً باللغة. إذ، حاول الحكام فرض لغاتهم على الشعوب والمكونات الاخرى، لأن اللغة ليست مجرد وسيلة تواصل، بل أداة سلطة وتأثير أيضاً. فعلى سبيل المثال، عندما كانت الامبراطورية الأكدية تملك نفوذاً وسلطة واسعة، فرضت لغتها على الشعوب الأخرى، حتى أصبحت اللغة الأكدية في ذلك العصر لغة الدبلوماسية في الشرق الاوسط القديم، وبعدها لعبت اليونانية والعربية والانجليزية الدور نفسه في عصور مختلفة.
وفي عصرنا الحالي تؤدي اللغة الانجليزية الدور ذاته. إذ، اصبحت لغة العلم والتكنولوجيا والاقتصاد والعلاقات الدولية، ومعظم البحوث العلمية والعلاقات الدولية تتم بهذه اللغة.
كذلك تؤدي اللغة دوراً مهماً في بناء الوعي القومي والاجتماعي، وقد استطاعت شعوب كثيرة الحفاظ على هويتها من خلال لغتها، حتى في اوقات الاحتلال والضغوط السياسية. فاللغة ليست مجرد وسيلة للكلام، بل هي التاريخ والفكر وهوية الشعوب. وكل شعب يفقد لغته يفقد جزءاً كبيراً من تاريخه وثقافته، ولذلك فان الحفاظ على اللغة هو حفاظ على الوجود والهوية.
كما يقول الشاعر الكبير عبد الله بشيو (اللغة شرف وناموس). لذلك فإن من واجب الجميع أن يحافظوا على لغتهم ويطوروها، لأنها أساس بقاء الهوية والثقافة، فالإنسان من دون لغة كالجسد من دون روح. ويمكن القول بحق بأن، اللغة هي الثورة الأولى للإنسان وسبب التطور الحضاري والمدنيات عبر التاريخ.


