• Home  
  • المرأة العراقية: من ريادة الحضارات إلى تهميش الحاضر
- امرأة ومجتمع

المرأة العراقية: من ريادة الحضارات إلى تهميش الحاضر

عذراء فالح في زمن كانت فيه حضارة بلاد الرافدين تشع نوراً على العالم، وقفت المرأة العراقية شامخة، ملكة وكاهنة وشريكة في بناء واحدة من أعظم الحضارات التي عرفتها البشرية. كانت تدير المعابد وتوقع العقود وتتولى المناصب العليا، بينما كانت نساء العالم يعشن في ظلمات التهميش والإقصاء. أما اليوم، وبعد آلاف السنين من الحضارة والتطور، تعاني […]

عذراء فالح

في زمن كانت فيه حضارة بلاد الرافدين تشع نوراً على العالم، وقفت المرأة العراقية شامخة، ملكة وكاهنة وشريكة في بناء واحدة من أعظم الحضارات التي عرفتها البشرية. كانت تدير المعابد وتوقع العقود وتتولى المناصب العليا، بينما كانت نساء العالم يعشن في ظلمات التهميش والإقصاء. أما اليوم، وبعد آلاف السنين من الحضارة والتطور، تعاني المرأة العراقية من تسيد الرجل لكافة مناحي الحياة، وتقف عاجزة عن استعادة دورها الريادي الذي نقشه أجدادها على جدران المعابد والمسلات.

هذا التناقض الصارخ بين مجد الماضي ومأساة الحاضر يطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن لنصف المجتمع أن يظل مشلولاً دون أن ينهار البناء بأكمله؟ وما الذي يحدث لو أُعطيت المرأة العراقية المجال وأُفسح الطريق أمامها لتثبت نفسها في العمل وقيادة العراق؟

أولاً: تاريخ حافل بالريادة والتمكين

1. المرأة في بلاد الرافدين القديمة

منذ آلاف السنين، كانت المرأة في بلاد ما بين النهرين شريكة أساسية في بناء الحضارة العراقية الأولى التي ازدهرت على ضفاف دجلة والفرات. كانت المرأة الفاعلة في مجالات الحكم والدين والأدب والعلم، ولم تكن مجرد تابعة للرجل. برزت العديد من النساء اللواتي تميزن واستطعن تولي مناصب رفيعة، وكانت لها حقوق قانونية واقتصادية تعكس مكانة متقدمة في المجتمع.

في الحضارة السومرية والبابلية، عُرفت نساء كاهنات يديرن المعابد، وملكات يحكمن الممالك، وتاجرات يوقعن العقود التجارية بأسمائهن. كانت المرأة تحتفظ باسمها المستقل وحقها في التملك والعمل، وهي حقوق لم تحظ بها نساء العديد من الحضارات الأخرى إلا بعد قرون طويلة.

2. النهضة النسائية في العصر الحديث

مع تشكيل الدولة العراقية الحديثة عام 1921، برزت أسماء نسائية رائدة حملت لواء النهضة النسوية. بدأت الحركة النسوية في العراق كنشاط اجتماعي علني عام 1923 من خلال تأسيس “نادي النهضة النسائية” الذي جمع نخبة من المثقفات العراقيات للمطالبة بحقوق المرأة. تقدمت السيدة عدوية الفلكي الصفوف في وثبة كانون الثاني عام 1948 لإسقاط معاهدة بورتسموث، لتثبت أن المرأة العراقية كانت في طليعة النضال الوطني.

تلت ذلك قفزات كبيرة، ففي عام 1936 حصلت أمينة علي صائب الرحال على أول إجازة سياقة في العراق، لتصبح أول امرأة عراقية تقود سيارة في شوارع بغداد. وفي عام 1959، صدر قانون الأحوال الشخصية رقم (88)، الذي كان يعتبر واحداً من أكثر القوانين تقدمًا في المنطقة، ومنح المرأة حقوقًا متقدمة في الزواج والطلاق والميراث وحضانة الأطفال.

ثورة 14 تموز 1958 شكلت نقطة تحول حقيقية، حيث تم تعيين الدكتورة نزيهة الدليمي أول وزيرة عراقية، لتكون أول امرأة في العالم العربي تتولى حقيبة وزارية. لم تكن نزيهة الدليمي مجرد اسم في التاريخ، بل كانت نموذجاً للمرأة العراقية القادرة على شغل أعلى المناصب واتخاذ القرارات المصيرية.

قبل عام 2003، كانت المرأة العراقية قد قطعت شوطاً كبيراً في التعليم والعمل والمشاركة العامة. كانت المرأة تشكل نسبة معقولة في سوق العمل، وكانت تشارك في الأحزاب والنقابات والمؤسسات المدنية بشكل فاعل. كان حلم المساواة والتمكين في طريقه إلى التحقق، قبل أن تهب عواصف التغيير العنيف لتقوض كل ما بُني.

ثانياً: المرأة العراقية اليوم – بين القوانين الظالمة والإرادة المشلولة

1. واقع كارثي بالأرقام

اليوم، وبعد أكثر من عقدين على الاحتلال، تعيش المرأة العراقية واحدة من أسوأ فترات تاريخها. الأرقام لا ترحم:

– المشاركة الاقتصادية: لا تتجاوز نسبة مشاركة النساء في القوى العاملة 13% فقط من مجمل القوى العاملة، مع أن النساء يشكلن حوالي 49% من إجمالي السكان. ويصنف البنك الدولي العراق ضمن أدنى معدلات مشاركة المرأة في القوى العاملة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وتشير إحصاءات أخرى إلى أن نسبة المشاركة لا تتجاوز 11% بين النساء فوق 15 سنة، وهي واحدة من أدنى المعدلات في المنطقة. بطالة النساء هي أزمة صامتة تضرب المجتمع بأكمله.

– العنف الأسري: كشف المرصد العراقي لحقوق الإنسان عن تسجيل 36,289 حالة عنف أسري رسمياً خلال عام 2025، بارتفاع نسبته 150% عن العام السابق. العنف الأسري هو عنف موجه بشكل رئيسي ضد النساء، حيث سُجلت 1,055 حالة عنف ضد النساء في إحصاءات محددة عام 2025. كما تشير منظمة هيومن رايتس ووتش إلى أن حوالي 1.2 مليون امرأة تعرضن للنزوح في العراق، وأن 17% من النساء واجهن عنفًا أسريًا خلال العامين الماضيين.

– جرائم الشرف: لا تزال ممارسات قتل البنات والزوجات تحت مسميات العادات والتقاليد والشرف مستمرة. سجل تحالف نسائي في كوردستان وحدها 53 حالة قتل للنساء خلال عام 2025، في حين تتحدث تقديرات أخرى عن مقتل نحو 30 امرأة في جرائم شرف سنويًا على مستوى العراق.

2. المشاركة السياسية: أرقام بلا مضمون

على الورق، تبدو الطريق ممهدة أمام المشاركة السياسية للمرأة. الدستور العراقي يخصص ربع مقاعد البرلمان للنساء عبر نظام الكوتا. لكن الحقيقة مختلفة تماماً. فشهد العراق بعد العام 2003 تغييراً خجولاً، إذ لم تتسنم النساء أي مناصب رئاسية أو تنفيذية كبرى. المرأة في البرلمان غالباً ما تكون نسخة من الرجل، تنفذ أجندات الأحزاب الذكورية ولا تمثل صوت النساء الحقيقي. وكما يصفه المراقبون، حضور المرأة في البرلمان هو حضور “تكملة عدد” وليس تمثيلاً حقيقياً.

هذا النوع من المشاركة لا يُحدث فرقاً. وجود المرأة في مجلس النواب وهي مقيدة بأوامر الحزب الذكوري لا يختلف عن غيابها. الكوتا وحدها لا تكفي إذا لم ترافقها ثقافة سياسية تتبنى المساواة وتؤمن بقدرات المرأة القيادية.

أما التحديات الأمنية والاقتصادية فتظل مرتفعة، حيث تتعرض المرأة لضغوط اقتصادية واجتماعية وعنف متصاعد منذ عام 2003، ولا تزال تعاني من تعسف في العمل وفجوات في فرص العمل وحقوق العاملين.

لماذا نحتاج إلى قيادة نسائية في العراق؟

تصوروا عراقاً تقوده امرأة، أو تشارك فيه النساء في المناصب القيادية بنسبة تعكس عددهن. ماذا يعني ذلك؟

– قوانين عادلة: لو كانت النساء حاضرات في مواقع القرار، هل كان سيُمرر تعديل الأحوال الشخصية بهذه الطريقة؟ هل كانت النساء ليصوتن ضدهن؟ القوانين التي تمس حياة المرأة تحتاج إلى صوتها.

– مجتمع أكثر أماناً: العنف ضد المرأة ليس مجرد قضية نسوية، بل هو مرض اجتماعي يؤثر على الجميع. النساء في مواقع القيادة يمكنهن دفع قوانين أكثر صرامة ضد العنف الأسري وجرائم الشرف.

– تنشئة أجيال واعية: المرأة القيادية هي قدوة للبنات وأم للأبناء. عندما ترى الابنة أن والدتها تشغل منصباً مهماً، تنمو في داخلها قناعة أن لا شيء مستحيل. وعندما يرى الابن ذلك، ينمو في داخله احترام حقيقي للمرأة.

المرأة العراقية لا حول لها ولا قوة – ولكن لماذا؟

تختصر عبارة “لا حول لها ولا قوة” حالة المرأة العراقية اليوم. لكن يجب أن نسأل: لماذا وصلنا إلى هنا؟ المرأة التي كانت ملكة في حضارة وادي الرافدين والتي كانت وزيرة في خمسينيات القرن الماضي – كيف أصبحت اليوم عاجزة عن أبسط حقوقها؟

الإجابة تكمن في تراكم عقود من الحروب، والحصار، والاحتلال، والعنف الطائفي، واستعادة العقلية القبلية الذكورية المتسلطة. كل هذه العوامل ساهمت في دفع المرأة إلى الهامش، وأعادت إنتاج التمييز تحت مسميات الدين والعادات والتقاليد.

لكن هذا لا يعني أن المرأة العراقية قد استسلمت. لا تزال النساء العراقيات يناضلن كل يوم وبطرق مختلفة – في المنزل، في العمل، في الشارع، وحتى في البرلمان رغم كل القيود. إنهن يرفضن أن يكن نصفاً مشلولاً.

ما تحتاجه المرأة العراقية اليوم ليس منّة أو شفقة. ما تحتاجه هو فسح المجال أمامها لتثبت نفسها. ما تحتاجه هو قوانين عادلة لا تميز ضدها. ما تحتاجه هو ثقافة مجتمعية تؤمن بأن المرأة شريك حقيقي وليست تابعاً.

العراق الذي ينهض لا بد أن يكون فيه نصفاه فاعلين. العراق الذي يستعيد مجده لا بد أن تستعيد فيه المرأة مكانتها الريادية. ولن يحدث هذا إلا عندما تتحرر المرأة من قيود العقلية الذكورية، وعندما تدرك أنها أقوى وهي تتحدث بصوتها الخاص لا بصدى صوت الرجل.

المرأة التي كانت ملكة في الماضي قادرة على أن تكون قائدة في المستقبل. فقط دعوها تثبت ذلك.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026