في خطوة وصفها مراقبون بـ”غير المسبوقة” منذ تأسيس النظام السياسي العراقي بعد 2003، وجّه رئيس مجلس الوزراء، علي فالح الزيدي، اليوم السبت، بتشكيل “المجلس السيادي الأعلى للنزاهة والرقابة واسترداد المال العام”، في محاولة واضحة لكسر الجمود الذي تعاني منه مؤسسات الرقابة التقليدية. يأتي هذا التوجيه بالتزامن مع تصاعد الضغوط الشعبية والسياسية لمحاسبة المتورطين في هدر المليارات من أموال النفط، ووسط تقارير دولية تصف العراق بأنه من أكثر دول العالم فسادًا.
كشف بيان صادر عن المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء أن المجلس سيترأسه الزيدي شخصيًا، على أن يضم في عضويته كلاً من:
– رئيس ديوان الرقابة المالية الاتحادي.
– رئيس هيئة النزاهة الاتحادية.
وهذا التكوين يمنح المجلس طابعًا سياديًا عليًا يتجاوز صلاحيات اللجان الفرعية أو المؤقتة، حيث يجمع بين ذراعي الرقابة المالية والتحقيق الجنائي تحت إشراف مباشر من رأس السلطة التنفيذية. وسيتولى المجلس “المتابعة الرقابية للوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة والمحافظات”، مع التركيز على “المواضيع الجوهرية وذات الأثر المهم” فقط، مما يشير إلى نية التركيز على الفساد الكبير (Grand Corruption) بدلاً من القضايا الصغرى.
يأتي هذا التحرك في توقيت بالغ الدلالة، لعدة أسباب:
1. ضغوط شعبية متصاعدة: بعد سنوات من الاحتجاجات التي رفع فيها المتظاهرون شعارات مثل “نريد وطنًا بلا فاسدين”، تسعى الحكومة إلى استعادة بعض الثقة الشعبية قبل أي استحقاقات انتخابية مقبلة.
2. تقارير أممية ودولية: كشف تقرير لمنظمة الشفافية الدولية لعام 2025 أن العراق لا يزال ضمن أسوأ 10 دول عالميًا في مؤشر مدركات الفساد، مع خسائر سنوية تقدَّر بعشرات المليارات من الدولارات نتيجة الهدر والرشاوى والعقود الوهمية.
3. ملفات استرداد عالقة: هناك مئات الملايين من الدولارات المجمدة في دول أجنبية (بريطانيا، سويسرا، الإمارات) تعود لأسماء عراقية متهمة بالفساد، ولم تنجح الإجراءات السابقة في استعادتها بسبب ضعف التنسيق القضائي.
رغم أهمية هذه الخطوة، يواجه المجلس الجديد تحديات جسيمة:
– حماية المبلغين والشهود: دون قانون حماية فعال، لن يتجرأ موظفو الدولة على الإدلاء بشهاداتهم ضد كبار الفاسدين.
– تداخل الصلاحيات: هل سيتعارض المجلس مع عمل لجان مكافحة الفساد السابقة؟ البيان لم يوضح إن كان المجلس سيلغي أي هيئات أخرى أم سيعمل بالتنسيق معها.
– الضغوط السياسية: كثير من كبار الفاسدين يتحصنون بغطاء سياسي من كتل نافذة في البرلمان، وقد تواجه أي إحالة لوزير أو محافظ سابق أو حالي عواصم سياسية عنيفة.
ما قام به رئيس الوزراء الزيدي هو في جوهره إعادة هيكلة مؤسسية لجهود مكافحة الفساد، تجمع السلطة التنفيذية والرقابية والقضائية في كيان واحد. إذا نفّذ المجلس مهامه بنزاهة واستقلالية، فقد يكون هذا بداية لاسترداد مليارات الدولارات من المال المنهوب وإيقاف نزيف الهدر في العقود المستقبلية. لكن إذا ظل المجلس أسير المحاصصة السياسية أو اكتفى بإصدار تقارير لا تليها عقوبات، فسيصبح مجرد “واجهة إعلامية” أخرى.
السؤال الحقيقي الذي ستجيب عنه الأشهر القادمة: هل سيحال أي من الوزراء أو المحافظين السابقين إلى القضاء فعليًا، أم ستبقى القضية حبيسة الاجتماعات واللجان؟



