في تطور لافت يعكس عمق الأزمة بين هافانا وواشنطن، حذرت نائبة وزير الخارجية الكوبي، جوزفينا فيدال، من أن جزيرتها باتت تواجه “خطرًا متزايدًا” لتعرضها لعدوان عسكري أميركي مباشر. جاء التحذير في كلمة ألقتها، مساء الخميس الماضي، خلال جلسة استماع عُقدت في مبنى الكابيتول الأميركي، خصصت للتنديد بالعقوبات على واردات النفط الكوبية، وهي خطوة نادرة أتاحت مسؤولة كوبية كبرى منصةً في واشنطن لتوجيه اتهامات مباشرة للإدارة الأميركية.
ويأتي هذا التصعيد متزامنًا مع تعثر المفاوضات الثنائية، واتهامات أميركية جديدة ضد القيادة الكوبية التاريخية، مما يعيد إلى الواجهة سيناريوهات مواجهة عسكرية كانت تعتبر حتى وقت قريب بعيدة الاحتمال.
قالت فيدال، في كلمة اطلعت عليها وحدة التحليل، إن الإدارة الأميركية تعمل بشكل منهجي على “تصوير كوبا كتهديد للأمن القومي الأميركي” ، في محاولة واضحة – على حد تعبيرها – لخلق غطاء سياسي وقانوني “لتبرير أي تحرك عسكري محتمل”. وأضافت أن وتيرة العقوبات الاقتصادية، خاصة تلك المستهدفة واردات النفط، لم تكتفِ بتجويع الاقتصاد الكوبي، بل فاقمت أزمة انقطاع الكهرباء ونقص الوقود، مما يخلق مناخًا من الاضطراب الاجتماعي يمكن استغلاله كذريعة للتدخل.
وبحسب فيدال، فإن واشنطن تتبع نفس النمط الذي استخدمته قبل غزو غرينادا (1983) وبنما (1989) بل وحتى العراق (2003): تصوير النظام المستهدف باعتباره “تهديدًا وشيكًا”، وفرض عقوبات خانقة، ثم انتظار حدوث أزمة إنسانية لتقديم التدخل العسكري كـ”حل ضروري”.
في تناقض ظاهري، خرج وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو – المنحدر من أصول كوبية والمعروف بمواقفه المتشددة ضد هافانا – ليؤكد استمرار الحوار مع النظام الكوبي، معربًا عن أمله في “نتيجة جيدة قريبًا”. لكن مراقبين يرون أن تصريحات روبيو تأتي ضمن استراتيجية ذات مسارين: مسار دبلوماسي للاستنزاف، وآخر تصعيدي للضغط.
ففي الوقت نفسه الذي يتحدث فيه روبيو عن الحوار، أعلنت إدارة الرئيس دونالد ترامب (وفق سياق زمني يُفترض أن التقرير يشير إلى ولاية جديدة أو استمرار لسياسات متشددة) عن اتهامات جنائية ضد الرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو بتهمة القتل، على خلفية إسقاط طائرتين مدنيتين تابعتين لمنظمة “أخوة إلى الإنقاذ” عام 1996، مما أسفر عن مقتل أربعة مدنيين أميركيين. وهذه ليست المرة الأولى التي تستخدم فيها واشنطن القضاء الفيدرالي كأداة ضغط سياسي ضد قادة كوبا.
لفهم خطورة اللحظة الراهنة، لا بد من العودة إلى قانون “هيلمز-برتون” لعام 1996، الذي شدد الحصار الاقتصادي على كوبا وجعل رفعه مرهونًا بشروط سياسية تعجيزية. وفي السنوات الأخيرة، أضافت إدارة ترامب أكثر من 240 عقوبة جديدة على هافانا، وشملت قطاعات النفط والتحويلات المالية والسياحة، مما أدى إلى تراجع الاقتصاد الكوبي بنحو 35% منذ عام 2019، وفق أرقام رسمية كوبية.
وما يزيد المخاطر أن كوبا تعيش حاليًا أسوأ أزمة طاقة منذ ثلاثين عامًا، مع انقطاع للكهرباء يصل إلى 12 ساعة يوميًا في بعض المناطق. وتقول فيدال إن العقوبات الأميركية على واردات النفط تمنع هافانا من شراء الوقود من أسواق قريبة وأرخص، مما يفاقم الأزمة الإنسانية ويخلق بيئة خصبة لاتهام الحكومة بـ”الفشل في حماية مواطنيها”.
يرى محللون استراتيجيون أن التحذير الكوبي قد يكون حقيقيًا لكنه مبالغ فيه لأغراض داخلية وخارجية:
– السيناريو الأول (الأكثر ترجيحًا): استمرار الضغط الاقتصادي والسياسي دون تدخل عسكري مباشر، مع تكثيف العقوبات “الذكية” وعمليات الإطاحة الناعمة.
– السيناريو الثاني (متوسط الاحتمال): تنفيذ عمليات محدودة مثل غارات جوية ضد أهداف عسكرية أو بنى تحتية نفطية، تحت ذريعة “حماية الأمن القومي” أو “محاربة النفوذ الصيني-الروسي” في كوبا.
– السيناريو الثالث (منخفض الاحتمال لكنه ليس مستحيلاً): عملية عسكرية واسعة بدعم من المعارضة الكوبية في الخارج، خاصة إذا اندلعت احتجاجات شعبية ضخمة تُستخدم كذريعة إنسانية.
ويبقى العراقيل الرئيسية أمام أي عدوان هي: الخشية من موجة لجوء كوبي غير مسبوقة، والرفض الدولي الواسع (باستثناء بعض الحلفاء)، وأيضًا التحذيرات الصينية والروسية من اعتبار المنطقة “حديقة خلفية” أميركية.
ما يجري اليوم ليس مجرد خطاب تصعيدي تقليدي بين خصمين لدودين. فالتحذير الكوبي صدر من على منصة داخل الكابيتول الأميركي، أي في قلب العاصمة التي تُتخذ فيها القرارات. وهذا يعكس إما يأسًا دبلوماسيًا من هافانا، أو قراءة استخباراتية كوبية لمعلومات لم تُعلن بعد عن نوايا أميركية عدوانية.
في كل الأحوال، تقف كوبا اليوم في موقف أضعف مما كانت عليه خلال أزمة الصواريخ عام 1962، ليس بسبب عسكري، بل لأن حلفاءها التقليديين (الاتحاد السوفيتي سابقًا) أصبحوا أكثر انشغالًا بأوكرانيا، ولأن أزمتها الاقتصادية الداخلية تجعل أي هزة خارجية مدمرة محتملة.
السؤال الأهم هل تريد واشنطن حقًا غزو كوبا، أم أنها تريد نظامًا في هافانا ينهار من الداخل دون رصاصة واحدة؟



