• Home  
  • عام على إحراق السلاح.. السلام بين المكاسب والخسائر!
- تقارير دولية

عام على إحراق السلاح.. السلام بين المكاسب والخسائر!

قراءة في مسار المصالحة التركية-الكردية بعد اثني عشر شهراً من البادرة التاريخية في مشهد رمزي حمل دلالات عميقة، أقدم مقاتلو حركة التحرر الكردستانية قبل عام على إحراق أسلحتهم في خطوة اعتُبرت نقطة تحول محتملة في مسار الصراع التركي-الكردي الممتد لعقود. لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة اليوم: هل كانت تلك الجذوة المشتعلة بداية لسلام دائم، […]

قراءة في مسار المصالحة التركية-الكردية بعد اثني عشر شهراً من البادرة التاريخية

في مشهد رمزي حمل دلالات عميقة، أقدم مقاتلو حركة التحرر الكردستانية قبل عام على إحراق أسلحتهم في خطوة اعتُبرت نقطة تحول محتملة في مسار الصراع التركي-الكردي الممتد لعقود. لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة اليوم: هل كانت تلك الجذوة المشتعلة بداية لسلام دائم، أم أنها كانت مجرد ومضة سرعان ما خفت في ظل تعقيدات المشهد السياسي والإقليمي؟

الإطار الزمني والمعالم الأساسية

شهد الثاني عشر من حزيران 2025 حدثاً غير مسبوق في تاريخ الصراع التركي-الكردي، حين أقدم مقاتلو حركة الحرية على إحراق كميات من أسلحتهم في مراسم علنية، جاءت استجابة لدعوات القيادي عبد الله أوجلان، الذي كان قد أطلق قبل أشهر مبادرة تاريخية دعا فيها إلى وضع حد للصراع المسلح والانتقال إلى العمل السياسي السلمي. وقد تلت هذه الخطوة تشكيل لجنة حكومية تركية لمتابعة العملية، وعُقدت عدة لقاءات مع أوجلان في سجنه بجزيرة إمرالي، في محاولة لترجمة النوايا الحسنة إلى إجراءات ملموسة على الأرض.

أبرز التطورات خلال العام المنصرم

1. من الناحية الإيجابية:

– تراجع ملحوظ في العمليات العسكرية: سجل العام الماضي انخفاضاً نسبياً في المواجهات المسلحة بين القوات التركية ومقاتلي الحرية، مقارنة بالسنوات السابقة، مما أتاح مساحات أوسع للحوار.

– انفتاح حكومي غير مسبوق: شهدت الأشهر الماضية لقاءات مباشرة بين مسؤولين أتراك وممثلين عن الحركة، في اعتراف ضمني بشرعية الطرف الآخر كشريك في الحوار.

– مبادرات مجتمعية متزايدة: نشطت منظمات المجتمع المدني الكردية والتركية في تنظيم لقاءات حوارية وورش عمل حول السلام والمصالحة، مما ساهم في خلق مناخ إيجابي بين مكونات المجتمع التركي.

2. من الناحية السلبية:

– غياب الإطار القانوني والدستوري: لم تُتخذ خطوات جوهرية لتعديل القوانين أو الدستور التركي بما يضمن حقوقاً موسعة للكرد، وهو ما يراه مراقبون شرطاً أساسياً لنجاح أي سلام دائم.

– تراجع الثقة المتبادلة: استمرار استخدام الخطاب الرسمي التركي لمصطلحات مثل “الإرهاب” في الإشارة إلى الحركة الكردية، إلى جانب استمرار اعتقال المئات من النشطاء السياسيين الكرد، أبقى جدران الثقة عالية بين الطرفين.

رؤى المشاركين والمراقبين حول مستقبل العملية

في لقاءات متفرقة مع عدد من الأكاديميين والمحللين السياسيين والمشاركين في مسار السلام، برزت مجموعة من الملاحظات الجوهرية التي تكشف طبيعة التحديات والفرص الراهنة:

الموقف من حركة الحرية:

يؤكد متابعون أن حركة الحرية قطعت أشواطاً مهمة في إثبات جديتها عبر خطوات ملموسة، من أبرزها التزامها بوقف العمليات الهجومية، ومشاركتها في حوارات بناءة مع مختلف الأطراف السياسية التركية، وسعيها لنقل الصراع من الساحات العسكرية إلى ساحات السياسة والمدنية. كما أن دعوتها إلى تعزيز دور مؤسسات المجتمع المدني والمجالس المحلية تمثل نقلة نوعية في استراتيجيتها، حيث تسعى لإشراك النساء والشباب ومختلف فئات المجتمع في إدارة الشأن العام، بما ينسجم مع تطورات العصر ومتطلبات الديمقراطية التشاركية.

الموقف من الدولة التركية:

في المقابل، يرى هؤلاء المراقبون أن الدولة التركية ما زالت تتعامل مع العملية بمنطق تكتيكي ضيق، ساعية إلى تحقيق مكاسب أمنية فورية، من دون تقديم ضمانات قانونية ودستورية كافية تضمن مستقبلاً آمناً للحقوق الكردية. ويشيرون إلى أن استمرار تأثير ما يعرف بـ”الدولة العميقة” وتضارب المصالح داخل مؤسسات الدولة، حال دون إحراز تقدم أكبر في مسار المصالحة.

الدور المحوري لعبد الله أوجلان:

يتفق معظم المحللين على أن عملية السلام مرهونة بقدرة أوجلان على القيام بدور الوسيط والمحفز، وأن أي تعطيل لدوره سيكون له انعكاسات سلبية على المسار برمته. وتطالب الحركة بتحسين ظروف احتجازه وتمكينه من التواصل بحرية أكبر مع المجتمع الكردي والشارع التركي والمجتمع الدولي، من أجل إدارة هذا الملف بفعالية. لكن الأوساط الرسمية التركية تبدي تخوفاً من أن تؤدي هذه المكانة الموسعة لأوجلان إلى تغييرات جوهرية في بنية النظام السياسي القائم، وهو ما يجعل الموقف الرسمي متذبذباً ومتردداً.

تحديات الوحدة الكردية وتداعياتها الإقليمية

تشير المعطيات إلى أن انقسام الصف الكردي بين أجزاء كردستان الأربعة (تركيا، العراق، سوريا، إيران)، وفشل المشاريع التوحيدية المتعاقبة، يشكل عقبة إضافية أمام نجاح عملية السلام. إذ أن أي اتفاق منفرد قد لا يكون كافياً لضمان استقرار دائم، خصوصاً في ظل التدخلات الإقليمية والدولية التي تستخدم الانقسامات الكردية كأداة للضغط والنفوذ.

وبرز تحذير مهم من عدد من المراقبين، مفاده أن أي فشل في عملية السلام التركية سينعكس سلباً على الأوضاع في كردستان العراق وسوريا، في ظل التغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة، بما فيها التحولات في سوريا وتداعيات الحرب في غزة وتغير موازين القوى في المنطقة.

مكاسب السلام وخسائر الفشل

مكاسب السلام المحتملة للدولة التركية:

– تعزيز مكانتها الدولية كدولة تسعى إلى حلول سلمية للصراعات.

– تحقيق استقرار اقتصادي، من خلال توجيه الإنفاق العسكري إلى التنمية والبنى التحتية.

– توسيع الحريات الديمقراطية، مما يعزز استقرار المجتمع التركي داخلياً.

– تحسين علاقاتها مع الجاليات الكردية في الخارج ومع الدول المجاورة التي لها توترات مع الكرد.

خسائر الفشل المتوقعة:

– العودة إلى دوامة العنف والمواجهات المسلحة، مما يكبد الدولة خسائر بشرية ومادية فادحة.

– تفاقم المشكلة الكردية وتعقيد حلها مستقبلاً.

– زعزعة استقرار المنطقة بأسرها، وقد يؤدي إلى حروب بالوكالة.

– إضعاف الموقف التركي في المحافل الدولية، وتعزيز صورة تركيا كدولة تتعامل مع قضاياها الأمنية بالقوة العسكرية وحدها.

خلاصة وتقييم مسار العام الماضي

يمكن القول إن العام المنصرم حمل مكاسب نوعية على صعيد إرساء مناخات الحوار وبناء الثقة الأولية بين أطراف الصراع، غير أن الانتقال من مرحلة “وقف إطلاق النار” و”الحوار المبدئي” إلى “السلام الشامل” و”التسوية الدستورية” لا يزال يتطلب إرادة سياسية حقيقية ومشتركة، تتجاوز الحسابات التكتيكية الضيقة إلى رؤية استراتيجية واضحة لمستقبل تركيا الجديد، دولة المواطنة المتساوية والديمقراطية التعددية.

وأن نجاح أي عملية سلام مرهون بترسيخ الديمقراطية المحلية كأساس للحل، لا مجرد ترتيبات أمنية سطحية. فالديمقراطية ليست غاية في حد ذاتها، بل وسيلة لضمان مشاركة جميع المكونات في إدارة شؤونها والمساهمة في بناء مستقبل مشترك.

السلام رحلة وليس وجهة

لطالما قيل إن السلام ليس وثيقة تُوقع، بل عملية تُبنى يوماً بعد يوم. وما شاهدناه خلال العام الماضي هو بداية لهذه الرحلة الطويلة، التي قد تستغرق سنوات قبل أن تثمر عن نتائج ملموسة على الأرض. تبقى المسؤولية الأكبر على عاتق القيادة التركية في تجاوز مخاوفها التاريخية، واتخاذ قرارات جريئة تضمن حقوق جميع مواطنيها، دون تمييز أو إقصاء. فالتاريخ لا يرحم المترددين، والفرص لا تنتظر المتراخين، والشعوب تنتظر من يقودها إلى بر الأمان، لا من يبقيها أسيرة دوامات العنف والصراع.

وإذا كانت عملية السلام قد نجحت في إخماد نيران المواجهة المسلحة، فإن التحدي الأكبر يبقى في تحويل هذا الهدوء المؤقت إلى سلام دائم، يضمن للجميع العيش بكرامة وحرية وعدالة، بعيداً عن منطق الغلبة والانتقام.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026