
كلمة رئيس التحرير لهذا العدد:
يمر العراق بأزمة وجودية حقيقية، تتلخص في ثلاث معضلات كبرى متشابكة: انعدام الاستقرار المزمن، وفساد مستشري في مفاصل الدولة، وسلاح خارج إطار القانون يهدد بتفتيت النسيج الوطني. منذ عام 2003، ظل العراق يدور في حلقة مفرغة: فساد يغذي الإرهاب، وإرهاب يعطل التنمية، وفراغ أمني يخلق بيئة خصبة للميليشيات. السؤال الآن: هل تمتلك الحكومة الجديدة الإرادة والآلية لانتشال البلاد من هذا المستنقع؟
الفساد: سرطان يأكل جسد الدولة
العراق هو واحد من أكثر دول العالم فسادًا وفق مؤشرات منظمة الشفافية الدولية، حيث تُهدر سنويًا عشرات المليارات من الدولارات عبر عقود وهمية، ومحاصصة حزبية، ورشاوى مقنّعة. الفساد في العراق ليس مجرد سرقة أموال عامة، بل هو نظام متكامل يبدأ من “الموازنة التضخمية” التي تستوعب أرصدة باهظة دون رقابة، وصولًا إلى “الكوتات” الحزبية التي توزع المناصب السيادية كغنائم.
والنتيجة مؤسسات منهكة، خدمات متدهورة، وشعب يئن تحت وطأة بطالة تقترب من 30%، وانقطاع كهرباء يصل إلى 15 ساعة يوميًا في الصيف. الفساد ليس جريمة اقتصادية فقط، بل هو تهديد مباشر للأمن القومي، لأنه يغذي الإحباط الشعبي الذي تستغله الجماعات المتطرفة والميليشيات المسلحة.
السلاح المنفلت: دولة داخل دولة
العراق يعاني من أزمة حقيقية تتمثل بوجود “دولة مسلحة موازية” لا تخضع لأمرة القائد العام للقوات المسلحة. فصائل مثل “كتائب حزب الله” و”عصائب أهل الحق” و”حركة النجباء” تمتلك ترسانة عسكرية ثقيلة (صواريخ باليستية، طائرات مسيرة، دبابات)، وتتخذ قرارات الحرب والسلم بعيدًا عن إرادة الحكومة. بل ذهبت بعض هذه الفصائل إلى حد مهاجمة القواعد الأميركية واستهداف دول الجوار باسم “المقاومة”، مما جعل العراق ساحة لتصفية حسابات إقليمية.
هذا السلاح المنفلت هو أصل المشكلة: فهو يعطل مشروع الدولة، ويخيف الاستثمار الأجنبي، ويربك العلاقات الدولية، ويشرعن العنف كأداة سياسية. لا يمكن الحديث عن استقرار حقيقي مع وجود 200 ألف مقاتل خارج القانون يحملون سلاحًا ثقيلاً.
الاستقرار: حلم يبحث عن أرض صلبة
العراق اليوم أكثر استقرارًا نسبيًا مقارنة بعام 2014 (ذروة داعش)، لكن هذا الاستقرار هشّ وسطحي. فالاشتباكات بين الفصائل والميليشيات التركية في الشمال، والهجمات على القواعد الأميركية، والاغتيالات الممنهجة في بغداد، كلها مؤشرات على أن الدولة فشلت في فرض احتكار القوة. الاستقرار الحقيقي لا يتحقق بقمع المعارضة، بل بضمان سيادة القانون وحماية المواطن ومكافحة الفساد.
كيف نخرج العراق من المستنقع؟
الخروج يتطلب ثلاث خطوات جريئة ومترابطة:
1. حسم ملف السلاح: لا حل بدون تفكيك الميليشيات ودمج مقاتليها في القوات المسلحة بجدول زمني واضح، مع فرض عقوبات قاسية على أي تشكيل يرفض الاندماج. تجربة “سرايا السلام” (حيث أعلن مقتدى الصدر وضع تشكيله تحت إمرة الدولة) قد تكون نموذجًا يحتذى، ويجب البناء عليه لتصبح قاعدة ملزمة للجميع.
2. ثورة في مكافحة الفساد: تحتاج الحكومة إلى إنشاء “مجلس سيادي أعلى للنزاهة” بصلاحيات استثنائية، مع حماية حقيقية للمبلغين والشهود، وتجميد أموال كبار الفاسدين، واسترداد الأموال المهربة للخارج عبر تعاون قضائي دولي. الأهم هو كسر “حصانة الكبار” ومحاسبة الوزراء والمحافظين السابقين، حتى لو كانوا تابعين لأحزاب نافذة.
3. إعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن: لا يمكن الاستقرار بدون خدمات. يجب توجيه الأموال المستردة من الفساد إلى مشاريع خدمية مرئية وسريعة (كهرباء، مياه، صحة)، وإطلاق حملات وطنية لمكافحة الفساد تشرك المجتمع المدني والإعلام.
العراق يمتلك كل مقومات النهضة: ثروات طائلة، شباب متعلم، موقع جغرافي استراتيجي. لكنه يغرق في مستنقع الفساد والسلاح المنفلت. الحكومة الجديدة أمام فرصة تاريخية ربما لا تتكرر: فمع قرارات الصدر بتسليم “سرايا السلام” والضغوط الأميركية المتصاعدة، أصبح هناك غطاء داخلي وخارجي لحسم هذه الملفات. المطلوب الآن شجاعة سياسية ونزاهة لا تكل. وإلا سيبقى العراق أسيرًا لدوامة العنف والسرقة، وشعبه ينتظر “الغد الأفضل” إلى ما لا نهاية.
الكلمة الأخيرة للتاريخ: إما دولة القانون، أو فوضى السلاح والمال.


