في خطوة وصفت بأنها “مفصلية” و”غير مسبوقة”، أعلن زعيم التيار الوطني الشيعي، مقتدى الصدر، انفكاك تشكيل “سرايا السلام” المسلح ووضعه بالكامل تحت إمرة القائد العام للقوات المسلحة. يأتي هذا القرار في توقيت بالغ الحساسية، حيث يتصاعد الحديث عن حصر السلاح بيد الدولة وإنهاء ظاهرة التشكيلات المسلحة التي تعمل خارج إطار القانون، وهو ما يعيد رسم قواعد اللعبة السياسية والأمنية في العراق.
لم يأتِ إعلان الصدر مفاجئًا، بل جاء تتويجًا لسلسلة إجراءات تصاعدية خلال الأسابيع الماضية: إيقاف تشكيلات “سرايا السلام” في بعض المحافظات، سحب العجلات من القادة والعناصر، تشكيل لجان لحصر الأسلحة وسحبها، ثم الاتصال الهاتفي مع رئيس الوزراء للتأكيد على ضرورة حصر السلاح بيد الدولة. وصولًا إلى القرار النهائي بوضع التشكيل تحت إمرة القائد العام، وتشكيل لجنة مشتركة لآليات التنفيذ.
هذا التحول اللافت يعني أن أقوى فصيل مسلح خارج هيكل الدولة – تاريخيًا – يعلن استعداده للاندماج الكامل، مما يوجه رسالة واضحة لباقي الفصائل: لا مجال للعمل خارج إطار المؤسسات.
أثار القرار حالة من الإرباك داخل أوساط الفصائل المسلحة الأخرى، وعلى رأسها “حركة النجباء” و”عصائب أهل الحق” و”كتائب حزب الله”. فبينما كانت هذه الفصائل ترفض منطق حصر السلاح، وتعتبر “سلاح المقاومة” خطًا أحمر لا يمكن المساس به، وجدت نفسها فجأة في موقف حرج: إما اللحاق بقرار الصدر والتسليم للدولة، أو البقاء وحدها خارج الإطار ومواجهة عزلة سياسية وشعبية متصاعدة.
تصريحات سابقة لحركة النجباء حاولت التمييز بين “سلاح المقاومة” و”سلاح الفوضى”، لكن قرار الصدر ألغى هذا التمييز، ووضع الجميع أمام اختبار حقيقي: إما الدولة للجميع أو لا أحد.
يتزامن هذا التطور مع ضغوط أميركية متزايدة على الحكومة العراقية لإنهاء دور الفصائل المسلحة والسيطرة على السلاح خارج إطار الدولة. فقبل أيام، وسعت الخزانة الأميركية عقوباتها الاقتصادية لتشمل قادة بارزين في “كتائب حزب الله” و”عصائب أهل الحق” و”كتائب سيد الشهداء”، ضمن ما سمته عملية “الغضب الاقتصادي”. كما سبق لواشنطن أن اشترطت عدم مشاركة الفصائل في الحكومة الجديدة.
هذا الضغط الخارجي، إلى جانب القرار الصدري، يشكلان مطرقة وسندان على الفصائل المترددة، وقد يدفعانها إلى إعادة حساباتها بسرعة.
رغم أهمية القرار، تواجه عملية التنفيذ تحديات جسيمة:
– آلية الدمج: كيف سيتم استيعاب آلاف المقاتلين ضمن القوات الأمنية النظامية؟ هل سيخضعون لدورات تأهيلية؟ ما هو مصير القيادات المطلوبة دوليًا؟
– السلاح الثقيل والصواريخ: هل سيشمل التسليم الأسلحة الثقيلة والصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، أم سيقتصر على الأسلحة الفردية؟
– رد فعل الفصائل الرافضة: قد تشهد الفترة المقبلة محاولات بعض الفصائل لإظهار القوة عبر استعراضات عسكرية أو حتى عمليات نوعية خارج الحدود، لتثبيت شرعيتها “المقاومة”.
قرار الصدر بوضع “سرايا السلام” تحت إمرة الدولة ليس مجرد مناورة سياسية، بل هو تحول جوهري في طبيعة العمل المسلح في العراق. فهو يخلق سابقة يمكن أن تصبح نموذجًا لحل أزمة السلاح خارج الدولة التي استمرت لعقدين. الفصائل الأخرى أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الانضمام إلى مشروع الدولة والتمتع بغطاء سياسي وقانوني، أو البقاء خارج الإطار ومواجهة عزلة متزايدة وضغوط أمنية واقتصادية.
هل ستحسم الحكومة الجرأة السياسية لاستكمال ما بدأه الصدر، أم ستترك الفرصة تضيع كما حدث مرات عديدة سابقة؟



