
عمار الكلابي
ليست سنجار مدينةً عابرة في الجغرافيا العراقية، بل هي صفحة مفتوحة من تاريخٍ مثقل بالألم والصمود، ومكانٌ ما زال يحمل آثار واحدة من أبشع الجرائم التي شهدها القرن الحادي والعشرون. ومن محافظة واسط إلى سنجار، لم تكن الرحلة مجرد انتقال بين مدينتين، بل كانت انتقالًا نحو ذاكرة وطنية تستحق أن تُروى، وأن تُفهم، وأن تتحول إلى مسؤولية مشتركة لا تخص الإيزيديين وحدهم، بل جميع العراقيين.
جاء مؤتمر “الإبادة الجماعية والاندماج الديمقراطي… العدالة الانتقالية أساس الاندماج الديمقراطي” ليؤكد أن العدالة لا تبدأ من المحاكم فقط، بل من الاعتراف بالحقيقة، وحفظ الذاكرة، والاستماع إلى أصوات الناجين، والعمل على بناء مستقبل يمنع تكرار المأساة. فمنذ اللحظات الأولى للمؤتمر، التي بدأت بالوقوف دقيقة صمت على أرواح الضحايا، كان واضحًا أن الهدف يتجاوز إحياء الذكرى، ليصبح دعوة صريحة إلى ترسيخ ثقافة العدالة والإنصاف.
تناولت جلسات المؤتمر محاور متعددة، سلطت الضوء على ما يُعرف بـ”الفرمانات” التي تعرض لها الإيزيديون عبر التاريخ، وكيف تركت هذه الحملات آثارًا عميقة في المجتمع والثقافة والهوية. كما خُصص جانب مهم لمناقشة الإبادة التي ارتكبها تنظيم داعش عام 2014، من خلال استعراض الجوانب القانونية والإنسانية والنفسية، بدءًا من أهمية توثيق الجرائم وحماية المقابر الجماعية، وصولًا إلى ضرورة دعم الناجين والناجيات نفسيًا واجتماعيًا، باعتبار أن العدالة الحقيقية لا تقتصر على معاقبة الجناة، بل تشمل أيضًا إعادة الكرامة للضحايا.
ولم يقتصر المؤتمر على استذكار الماضي، بل ركز على المستقبل من خلال مناقشة مفهوم الاندماج الديمقراطي، بوصفه أحد أهم السبل لبناء مجتمع يقوم على التعددية والمواطنة واحترام التنوع. فقد أكد المتحدثون أن استقرار العراق لا يمكن أن يتحقق من دون مشاركة جميع مكوناته في صناعة القرار، وتمكين المرأة، وتعزيز الديمقراطية المحلية، وترسيخ ثقافة الحوار بدلًا من الإقصاء.
ما لفت الانتباه في المؤتمر هو الحضور المتنوع لشخصيات أكاديمية وحقوقية وإعلامية وناشطين من مختلف المحافظات، وهو ما يعكس إدراكًا متزايدًا بأن قضية الإبادة الإيزيدية ليست شأنًا محليًا يخص سنجار وحدها، بل قضية وطنية وإنسانية تتطلب تضامنًا واسعًا. فالجرائم التي تستهدف مكونًا بعينه تمس قيم المجتمع بأكمله، وتضع الجميع أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية للحفاظ على التنوع بوصفه أحد أهم عناصر قوة العراق.
ومن هنا، فإن العدالة الانتقالية لا ينبغي أن تُفهم على أنها مجرد إجراءات قانونية، بل هي مسار متكامل يبدأ بكشف الحقيقة، والاعتراف بالضحايا، وإنصافهم، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات، وترسيخ ضمانات تمنع تكرار الانتهاكات. فالدول التي تواجه ماضيها بشجاعة هي الأقدر على بناء مستقبل مستقر، أما تجاهل الجراح فلا يؤدي إلا إلى تعميقها.
إن الرحلة من واسط إلى سنجار كانت تذكيرًا بأن المسافات الجغرافية قد تكون بعيدة، لكن القضايا الإنسانية تقرّب بين الناس. وما خرج به المشاركون من هذا المؤتمر هو أن بناء عراق ديمقراطي لا يتحقق بالشعارات، بل بإرادة حقيقية تؤمن بأن العدالة حق، وأن التنوع مصدر قوة، وأن كرامة الإنسان يجب أن تبقى فوق كل اعتبار. فحين تتحول الذاكرة إلى مشروع وطني، يصبح المستقبل أكثر قدرة على تجاوز الألم وصناعة السلام.


