
محمد العجيلي
ليست السلطة مجرد مقاعد في البرلمان أو مناصب في الحكومات المحلية، بل هي شبكة معقدة من العلاقات الاقتصادية والإدارية والاجتماعية، تتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية للمواطن. وعندما تصبح الأحزاب السياسية جزءًا من إدارة الاقتصاد المحلي، فإن السؤال لم يعد: من يحكم؟ بل أصبح: كيف تُدار الموارد؟ ولصالح من تُدار؟
في محافظة واسط، كما في محافظات عراقية أخرى، شهدت السنوات الماضية توسعًا في المشاريع الاستثمارية والخدمية، وسط تطلعات شعبية بأن تكون هذه المشاريع بوابةً لتحسين الواقع الاقتصادي، وتوفير فرص العمل، ومعالجة أزمات الخدمات. غير أن المواطن لا يكتفي بالإعلان عن مشروع جديد، بل يريد أن يرى أثره في حياته اليومية، وأن يطمئن إلى أن المال العام والفرص الاستثمارية تُدار وفق معايير العدالة والشفافية، بعيدًا عن المحاصصة أو النفوذ السياسي.
أما قضاء الصويرة، الذي يمتلك موقعًا جغرافيًا مهمًا وإمكانات زراعية وبشرية كبيرة، فإنه يقف اليوم أمام تحدٍ حقيقي. فالتنمية ليست مجرد إنشاء بناية أو افتتاح مشروع، بل هي بناء منظومة اقتصادية واجتماعية تضمن استمرار الإنتاج، وتوفر فرصًا متساوية أمام المستثمرين والشباب وأصحاب الكفاءات.
إن العلاقة بين الأحزاب السياسية والاستثمار تثير دائمًا نقاشًا واسعًا في المجتمعات الديمقراطية. فالأحزاب تمتلك حق المشاركة في إدارة الدولة وفق الدستور والقانون، لكن نجاح التجربة الديمقراطية يقاس بقدرة المؤسسات على اتخاذ قراراتها باستقلالية وشفافية، بحيث لا تكون المشاريع الاقتصادية خاضعة للمصالح الحزبية أو الشخصية، بل لحاجات المجتمع وخطط التنمية.
وفي المجتمعات المحلية، يصبح تأثير الشخصيات النافذة أكثر وضوحًا. فهناك شخصيات سياسية، وأخرى عشائرية، وثالثة اقتصادية، لكل منها حضورها وتأثيرها. وهذا التأثير قد يكون إيجابيًا عندما يُستخدم في جذب الاستثمارات، وحل المشكلات، ودعم المبادرات الشبابية، وقد يتحول إلى عبء عندما يؤدي إلى احتكار الفرص أو تقييد المنافسة أو إضعاف دور المؤسسات الرسمية.
إن التنمية الحقيقية لا تُبنى على النفوذ، وإنما على القانون. ولا يمكن لأي مدينة أن تحقق نهضة مستدامة إذا شعر المستثمر بأن نجاحه مرتبط بالقرب من شخصية نافذة، أو إذا شعر المواطن بأن الخدمات تُوزع وفق الانتماءات لا وفق الحاجة.
ويُعد الشباب في الصويرة أحد أهم عناصر القوة التي يمكن أن تُحدث تحولًا حقيقيًا. فالمبادرات التطوعية، والأنشطة الثقافية، وحملات التوعية، والمشاريع المجتمعية، أثبتت أن المجتمع يمتلك طاقات كبيرة قادرة على صناعة التغيير عندما تُمنح الفرصة. ولهذا فإن الاستثمار في الإنسان لا يقل أهمية عن الاستثمار في الحجر.
كما أن الإعلام المحلي والصحافة المستقلة يمثلان ركيزة أساسية في حماية التنمية. فالإعلام لا ينبغي أن يكون طرفًا في الصراع السياسي، بل عينًا تراقب الأداء، وتنقل الحقائق، وتسلط الضوء على النجاحات والإخفاقات، وتدافع عن حق المواطن في المعرفة.
ومن هنا تبرز أهمية الشفافية في الإعلان عن المشاريع الاستثمارية، وآليات إحالتها، ومراحل تنفيذها، ونسب الإنجاز، والكلف المالية، والجهات المنفذة. فكلما زادت المعلومات المتاحة للرأي العام، تراجعت الشائعات، وتعززت الثقة بين المواطن والمؤسسات.
إن مستقبل واسط، والصويرة على وجه الخصوص، لا يُصنع بالصراعات السياسية، وإنما بالشراكة بين الدولة والمجتمع والقطاع الخاص. فالمستثمر يحتاج إلى بيئة مستقرة، والمواطن يحتاج إلى خدمات وفرص عمل، والإدارة المحلية تحتاج إلى قرارات تستند إلى القانون والكفاءة.
ويبقى السؤال الذي يطرحه المواطن كل يوم: هل ستكون المشاريع القادمة بدايةً لتنمية مستدامة يشعر بها الجميع، أم أنها ستبقى مجرد أرقام في التقارير الرسمية؟ إن الإجابة لا يحددها الخطاب السياسي، بل تحددها الوقائع على الأرض، ومدى التزام الجميع بمبادئ النزاهة والعدالة والمساءلة.
إن بناء مدينة مزدهرة لا يحتاج إلى شعارات كبيرة، بل إلى مؤسسات قوية، وقضاء مستقل، وإدارة كفوءة، وإعلام حر، ومواطن يمتلك الحق في الرقابة والمساءلة. وعندما تتحقق هذه المعادلة، يصبح النفوذ الحقيقي هو نفوذ القانون، وتصبح التنمية حقًا للجميع، لا امتيازًا لفئة دون أخرى.


