• Home  
  • كلمة الافتتاحية

كلمة الافتتاحية

في مثل هذا اليوم من عام ١٩٣٤، وتحديداً في ٣١ مارس، وُلد الحزب الشيوعي العراقي، ليكون أول حزب سياسي منظم في تاريخ العراق الحديث. لم تكن ولادته في زمن كانت فيه الدولة راسخة أو المجتمع مستقراً، بل في ظل نظام ملكي هشّ، واقتصاد متخلف، وعمالة ناشئة، وسلطة طبقية بدأت تتشكل. ولهذا لم يكن الحزب مجرد تنظيم سياسي، بل كان مدرسة في التنظيم، ومشروعاً حداثياً طموحاً، وخياراً لمن آمن بأن العدالة الاجتماعية والمواطنة المتساوية هما الطريق الوحيد لبناء العراق.
اليوم، وبعد ٩١ عاماً من ذلك التأسيس، يقف الحزب الشيوعي العراقي أمام محطات مصيرية، لا تتعلق فقط بتاريخ مشاركته وتحالفاته، بل أيضاً بصراعه مع الدولة، وانقسامه في المشهد السياسي. فما هي التحديات التي تواجه آخر قوى اليسار في العراق؟ وما هي المسؤوليات الملقاة على عاتقه في ظل انهيار الثقة بالأحزاب السياسية، وتفكك النسيج الوطني؟

قبل الحديث عن الراهن، لا بد من استحضار محطات مفصلية في تاريخ هذا الحزب، لأنها لا تشكل فقط ذاكرة العراقيين، بل ويمكن فهم موقعه الحالي من دونها:

  • المرحلة الأولى (١٩٣٤–١٩٥٨): تأسس الحزب في ظل الأرض الرخوة لنظام ملكي والهيمنة البريطانية، لكنه كان صوت العمال والفلاحين والمثقفين التقدميين، ودفع ثمناً باهظاً من الاعتقالات والإعدامات.
  • ثورة ١٤ تموز ١٩٥٨: شريك أساسي في التحالف الوطني مع عبد الكريم قاسم، وشهد نفوذاً واسعاً، لكن سرعان ما تحول الصراع مع القوى القومية والبعثية إلى العداء للسلطة عام ١٩٦٣، حيث تعرّض الحزب لأبشع حملات الاضطهاد والتصفيات.
  • حكم البعث والسبعينات (١٩٦٨–٢٠٠٣): نضال مرير تحت الأرض، وتحول بعض فصائله إلى معارضة مسلحة في كردستان.
  • بعد ٢٠٠٣: خيار المشاركة السياسية، والتحالف مع قوى شيعية (كالائتلاف الوطني، ثم تحالف سائرون مع مقتدى الصدر)، والدخول في لعبة المحاصصة السياسية التي كان أشد المنتقدين لها في السابق.

هذا الإرث الطويل يضع الحزب اليوم أمام مفارقة كبرى: كيف يحافظ على طابعه اليساري التحرري، وهو يخوض تحالفات مع قوى دينية وسياسية تختلف معه في الرؤية حول الدولة والمجتمع؟

مسؤوليات الحزب في المرحلة المقبلة في ظل هذه التحديات، يمكن تحديد خمس مسؤوليات كبرى يجب أن يضطلع بها في الذكرى الـ ٩١:
١. مراجعة نقدية صادقة لتجربة التحالفات، لا من دون مراجعة جريئة وشاملة لتجربة المشاركة في الحكومات والتحالفات، سيبقى الحزب أسير تناقضات لا تخدم مشروعه.
٢. العودة إلى الجذور: النقابات، المجتمع المدني، القاعدة الشبابية؛ إذ لا يمكن لأي حزب يساري أن يعيش على العلاقات البرلمانية وحدها. الحزب بحاجة ماسة إلى إعادة بناء حضوره الميداني، فقد لا يُصنع أي وجود سياسي هشّاً.
٣. قيادة مشروع وطني جامع ضد الطائفية والمحاصصة؛ العراق يعيش أزمة هوية وطنية عميقة. الحزب الشيوعي، بصفته من أكثر الأحزاب العراقية تمسكاً بفكرة المواطنة المتساوية، يمكن أن يكون رأس حربة في معركة إعادة بناء الدولة المدنية القائمة على القانون والمساواة.
٤. الإنصات إلى جيل الشباب، لا بوصفه أمراً عميقاً، ولا شكلاً شباب العراق ليسوا بحاجة إلى شعارات ثورية، بل إلى سياسات عملية توفر فرص عمل، وحماية اجتماعية، وحقوقاً ثقافية.
٥. إعادة تعريف اليسار العراقي خارج إرث الفشل الحزبي؛ الحزب الشيوعي العراقي ليس مجرد حزب، بل هو جزء من ذاكرة العراق الحديث. من خلاله تعلم العراقيون معنى التنظيم، وأدركوا أن العدالة الاجتماعية ليست ترفاً فكرياً، وخاضوا معارك التحرر الوطني والطبقي. لكن استذكار الماضي لا يكفي لصمان المستقبل.

اليوم، وبعد ٩١ عاماً، يقف الحزب أمام خيارات صعبة: إما أن يكون قوة تجديد وإصلاح حقيقي، يعيد اكتشاف دوره في بلد يضج بالأزمات، وإما أن يتحول إلى ظلٍ لذاته يحتفل بذكرى تأسيسه عاماً بعد عام، فيما يبتعد عن نبض الشارع الجديد.
ذكرى ٩١ هي لحظة تستحق وقفة مراجعة، وليست لحظة احتفال صامتة. لأن مستقبل اليسار في العراق لن تصنعه قدم تاريخه، بل يصدقه راهنه، ويقرره فعل صوته اليوم الشجاع ليكون كما كان دوماً:
صوتاً لا يُشترى، ولا يُباع.

تحية للنضال الطويل، وتحية إلى المناضلين الذين حملوا الراية في الظلام، وأملاً بأن يظل العراق هو البوصلة.

صباح البيروقي رئيس التحرير

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026