
آکار تاج الدین
الحرية كلمة تحمل في كل لغة وثقافة قدرا كبيرا من التقدير والاحترام. وكل إنسان يرغب في أن يعيش حراً، لكن كثيراً من الناس لا يدركون ما هي الحرية الحقيقية. ويرجع ذلك إلى أن الحرية كثيراً ما تفسر خطأ على أنها مجرد إتاحة الفرصة لفعل أي شيء بلا حدود، أو التحرر من كل أنواع المسؤولية.
الحرية الحقيقية هي قدرة الإنسان على أن يتحرر، بوعي دائم، من كل القوى والضغوط الظاهرة والخفية التي تؤثر في تفكيره ومشاعره ورغباته وسلوكه، سواء كانت نابعة من داخله أو مفروضة عليه من خارجه. وهي أن ينجو من أسر اللاوعي والتقليد وردود الفعل الآلية، وأن يستند في قراراته إلى قيم أخلاقية وعقلانية اختارها بنفسه، وذلك عبر معرفة الذات والتأمل العميق والنقد المستمر، وأن يتحمل المسؤولية الكاملة عن قراراته ونتائجها، مع احترام حرية الآخرين في الوقت نفسه، وفي إطار من العدالة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. فالحرية الحقيقية ليست حالة ثابتة أو حرية مطلقة، بل هي عملية دائمة ومتجددة من معرفة الذات وبنائها وإعادة اكتشافها وسط تعقيدات الوجود، من دون أن تبلغ نهاية نهائية أو تمتلك جوابا أخيراً، لأن الإنسان يظل في بحث دائم عن المعنى، والمعنى نفسه يتجدد مع كل تجربة جديدة. والحرية الحقيقية هي هذه الرحلة التي يتحرر فيها الإنسان من عبودية الماضي ومن الخوف من المستقبل ومن أسر الرغبات العابرة، ليصبح صاحب حياة تمتلئ بالشرف والمعنى والعلاقة الصادقة مع نفسه ومع الآخرين ومع العالم.
وقبل كل شيء، يجب أن نقول إن الحرية الحقيقية لا ترتبط بشخصية الإنسان، ولا بكونه غنياً أو قوياً. ولا شك أن الحرية السياسية والاقتصادية مهمتان جداً، لكنهما تمثلان الجانب الخارجي من الحرية فقط. فقد يعيش الإنسان في مجتمع حر، لكنه يكون مقيداً في داخله. وقد يمتلك جميع حقوقه القانونية، لكنه يبقى أسيراً لرغباته ومخاوفه وضعف إرادته. فالحرية الحقيقية تبدأ عندما يصبح الإنسان مالكاً لنفسه، أي مالكاً لاختياراته، لا أن يختار الآخرون عنه.
ومن هنا، فإن الحرية الحقيقية ترتبط ارتباطاً مباشراً بالوعي والمسؤولية. فالوعي هو القدرة على رؤية حقائق النفس والعالم من دون أوهام أو تزييف. أما المسؤولية فهي قبول نتائج الاختيارات والاستعداد لتحمل تبعاتها. فإذا قال إنسان: “أنا حر”، بينما هو في الواقع يعيش يومه وفقاً لرغبات الآخرين أو لتأثير الإعلانات التجارية أو لضغوط المجتمع، فإنه ليس حراً، بل هو مقيد بقيود لا ترى بالعين.
ولا يكون الإنسان حراً حقاً إلا عندما يقرر وفق مبادئ العقل والأخلاق، لا وفق أهوائه أو الضغوط الخارجية. ومن هذا المنظور، تعني الحرية امتلاك النفس. فالإنسان الذي ينفذ كل رغبة تخطر بباله ليس حراً، بل هو عبد لرغباته. أما الحرية الحقيقية فتبدأ عندما يمتلك القدرة على قول “لا” لكل رغبة أو نزوة لا تحقق مصلحته الحقيقية.
وفي هذا السياق، لا بد من التمييز بين الحرية الخارجية والحرية الداخلية. فالحرية الخارجية هي غياب العوائق الخارجية، مثل القمع السياسي أو القوانين الظالمة أو الفقر. ولا شك أن هذا النوع من الحرية ضروري جداً، ومن دونه تتحول حياة الإنسان إلى شكل من أشكال المعاناة. لكن الحرية الخارجية وحدها لا تكفي. فالحرية الداخلية هي أن يمتلك الإنسان فكراً وشعوراً وإرادة مستقلة، حتى في ظل أصعب الظروف.
وأقوى دليل على ذلك حياة أشخاص عاشوا تحت أقسى أنواع القهر والاستبداد، ومع ذلك استطاعوا الحفاظ على كرامتهم واستقلالهم الداخلي. ومن أشهر الأمثلة على ذلك الطبيب النفسي فيكتور فرانكل، الذي سجن في معسكرات الاعتقال النازية. وقد لاحظ أنه رغم سلب جميع أشكال الحرية الخارجية من السجناء، فإن بعضهم استطاع الحفاظ على إنسانيته، بينما عجز آخرون عن ذلك. وقال فرانكل: “يمكن أن يسلب الإنسان كل شيء إلا شيئاً واحداً: آخر حريات الإنسان، وهي اختيار موقفه من أي ظرف يواجهه”. وهذه تمثل جوهر الحرية الحقيقية.
لكننا في حياتنا اليومية كثيراً ما ننسى أننا نملك هذه الحرية الداخلية. فوسائل الإعلام، ووسائل التواصل الاجتماعي، وضغوط الاقتصاد، والعلاقات الاجتماعية القريبة والبعيدة، كلها قد تدفع الإنسان إلى أن يتبنى رغبات الآخرين ويظن أنها رغباته هو. والحقيقة أن كثيراً من اختياراتنا تتشكل بفعل آليات خفية من التأثير الاجتماعي، والخوف، وحتى الإعلانات التجارية. وقد اعتاد الإنسان المعاصر، ولا سيما في المجتمعات الرأسمالية، أن يظن أن الحرية تعني شراء كل شيء، واستهلاك أي منتج، ومشاهدة أي فيلم، وقول أي كلمة. لكن هذه حرية سطحية وشكلية، وليست الحرية الحقيقية.
وتحتاج الحرية الحقيقية إلى مجموعة من المقومات الأساسية: أولها الوعي بالضغوط الخفية التي توجه حياتنا. وثانيها القدرة على نقد رغباتنا ونقد المجتمع الذي نعيش فيه. وثالثها الشجاعة في اتخاذ قرار ينسجم مع القيم الحقيقية، حتى لو أدى ذلك إلى العزلة أو التعرض للنقد. ورابعها تحمل المسؤولية عن نتائج اختياراتنا، بدلاً من إلقاء اللوم على الآخرين أو على الظروف.
وكثير من الناس اليوم يسارعون إلى القول: “أنا حر”، من دون أن يدركوا أنهم ربما صنعوا بأيديهم أعمق قيودهم الداخلية. فالشخص الذي يقضي عشر ساعات يومياً على هاتفه المحمول، ويظن أن اختياراته للمحتوى أو للأخبار نابعة من إرادته الحرة، هل هو حقاً حر، أم أنه مجرد أداة في يد الخوارزميات الخفية التي تدير المنصات الرقمية؟ وهل يختار فعلاً ما يريده، أم أنه يستجيب لمحفزات خارجية صممت لتوجيه سلوكه؟ هذه الأسئلة قد تكون مزعجة، لكنها ضرورية لكل من يريد الوصول إلى الحرية الحقيقية.
إن الحرية الحقيقية لا تنال بسهولة، بل هي طريق طويل وشاق من معرفة الذات، وضبط النفس، وتحمل المسؤولية. أما الذين يعتقدون أن الحرية تعني “أن تفعل ما تشاء”، فإنهم غالباً ما يصبحون عبيداً لرغباتهم أو للضغوط الخارجية. أما الذين يدركون أن الحرية تعني “القدرة على توجيه الذات وفقاً لقيم عقلانية اختارها الإنسان بنفسه”، فهم الذين يجدون الطريق الحقيقي إلى الاستقلال والحرية.


