
محمد العجيلي
إذا كانت بلاد الرافدين قد كُتب لها منذ فجر التاريخ أن تكون مهداً للحضارة الإنسانية بفضل نهريها الخالدين، فإنها اليوم، وبفعل تداخل عوامل التغير المناخي والسياسات المائية الأحادية لدول الجوار، تواجه واحدة من أخطر الأزمات الوجودية في تاريخها الحديث. لم يعد الجفاف ظاهرة موسمية عابرة، بل تحول إلى قوة جيولوجية سياسية تعيد تشكيل الخريطة السكانية والاقتصادية والاجتماعية للعراق، وتهدد بقلب معادلة الاستقرار الهشة أصلاً في بلد أنهكه الحروب والصراعات لعقود.
1. مؤشرات الجفاف غير المسبوقة
يصنف العراق اليوم ضمن الدول الخمس الأكثر تضرراً من تغير المناخ في العالم وفقاً لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، وهو ترتيب يعكس واقعاً موجعاً ومتصاعداً. ففي عام 2025 وحده، سجل العراق أشد موسم جفاف منذ عام 1933، حيث بلغت نسبة الانخفاض في مناسيب نهري دجلة والفرات ما بين 27% إلى 40%. والمفارقة المأساوية أن هذا الانخفاض لم يأت نتيجة سبب واحد، بل نتيجة تراكم عوامل متعددة تكاملت لتخلق “عاصفة مثالية” من الجفاف.
2. التغير المناخي: انخفاض الهطول وارتفاع الحرارة
تكشف الدراسات العلمية المحكمة التي اعتمدت على بيانات الأقمار الاصطناعية للفترة بين 1984 و2022 أن حوض دجلة والفرات شهد انخفاضاً في متوسط هطول الأمطار بنسبة **9.6%**، بينما ارتفعت معدلات التبخر بنسبة 6.3% خلال العقود الأربعة الماضية. وهذه النسب، رغم أنها قد تبدو للوهلة الأولى متواضعة، فإن تراكمها سنة بعد أخرى يؤدي إلى عجز مائي هائل لا يمكن تعويضه إلا بفيضانات عارمة، وهو ما لم يحدث بشكل كافٍ في المنطقة.
هذا التراجع في هطول الأمطار وارتفاع درجات الحرارة جعل العراق يفقد مخزونه المائي بشكل دراماتيكي؛ فبعد أن كانت السدود العراقية تخزن نحو **70 مليار متر مكعب** سنوياً في العقود الماضية، انخفض هذا المخزون إلى أقل من **40 مليار متر مكعب** حالياً. وفي تصريح صارخ لمتحدث باسم وزارة الموارد المائية العراقية لشبكة “روداو” الكردية، أشار إلى أن ما يخزنه العراق حالياً من مياه هو **الأدنى في تاريخ الدولة العراقية الممتد 80 عاماً**. بلغة بسيطة: المياه الجوفية والسطحية التي كانت تشكل احتياطياً استراتيجياً للأمن القومي قد استُنزفت إلى حدود خطيرة.
العامل التركي – سياسات السدود وتقاسم الأنهار
أكثر من 70% من إمدادات المياه السطحية للعراق تأتي من خارج حدوده – وتحديداً من تركيا (عبر نهري دجلة والفرات) ومن إيران (عبر روافد شرقية). هذا الاعتماد الهيكلي على المنابع الخارجية يجعل العراق في موقع جغرافي سياسي ضعيف جداً، إذ يتحول ملف المياه من قضية فنية إلى ورقة ضغط استراتيجية بيد جيرانه.
الأرقام في هذا السياق صادمة: إذ كشفت تقارير متطابقة عن أن العراق لم يعد يتلقى سوى أقل من 40% من حصته التاريخية من المياه، وهو تراجع هائل لم يكن ليحدث لولا المزيج بين الجفاف الطبيعي وسياسات السدود. وزير الموارد المائية العراقي مهدي الحمداني نفسه صرّح بأن السدود التركية التي شُيدت على دجلة والفرات وروافدهما خفّضت التدفقات الواردة إلى العراق بمقدار النصف.
مشروع GAP وتحويل نهري دجلة والفرات
خلف هذه الأرقام يقف مشروع ضخم – مشروع جنوب شرق الأناضول (GAP) – الذي يشمل 22 سداً و19 محطة كهربائية. هذا المشروع، الذي يهدف إلى تحويل مساحات شاسعة في جنوب شرق تركيا إلى أراضٍ زراعية منتجة، يعمل عملياً كـ”مضخة عملاقة” تمتص المياه قبل وصولها إلى سوريا ثم العراق. وكما توضح دراسة علمية دولية حديثة، فإن بناء هذه السدود أسهم في زيادة المسطحات المائية الدائمة والمؤقتة في المنبع بنسبة 103% و17% على التوالي، بينما أدى إلى انخفاض المياه الدائمة والمؤقتة في المصب (الأهوار العراقية) بنسبة 76% و63%.
وهذا التفاوت الهائل بين ما يحصل عليه العراق وما تفقده دول المنبع يتحول ببساطة إلى عجز يومي – إذ يحتاج العراق إلى نحو 71 مليار متر مكعب سنوياً لتلبية احتياجاته، بينما الواردات الفعلية لا تتجاوز جزءاً يسيراً من هذا الرقم. بمعنى آخر، أنهار دجلة والفرات لم تعد تنقل المياه بقدر ما تنقل رسالة سياسية مفادها: “المياه في المنطقة سلاح، والعراق يدفع الثمن”.
في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، وقّع العراق وتركيا اتفاقية إطار للتعاون المائي، تم تكريسها لاحقاً من خلال تفعيل آلية تنفيذها في فبراير/شباط 2026. لكن هذه الاتفاقية – التي وصفت بأنها الأولى من نوعها – أثارت جدلاً واسعاً في العراق، لأنها تمت من موقع ضعف تفاوضي واضح. بل ذهب خبراء مثل الخبير البيئي مختار خميس إلى القول إن “الفساد وسوء الإدارة تركا العراق في موقف تفاوضي ضعيف فيما يتعلق باتفاقيات تقاسم المياه”.
هذا الموقف الضعيف يظهر بشكل خاص في أن تركيا تتعامل مع دجلة والفرات وكأنهما نهران داخليان، رغم كونهما دوليين بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997. وفيما يصر العراق على مبدأ “الاستخدام المنصف والمعقول”، تستمر تركيا في تنفيذ سياساتها الأحادية دون التزام فعلي بالاتفاقيات الدولية.
الجفاف كمضاعف للتهديدات – تحول الجفاف إلى عامل عدم استقرار
ما يحدث اليوم في العراق ليس مجرد جفاف؛ إنه **إعادة رسم للخريطة البشرية** للبلاد. تظهر بيانات المنظمة الدولية للهجرة أن أكثر من 24 ألف عائلة قد نزحت بسبب الجفاف. وفي محافظة ذي قار وحدها، يهدد الجفاف أكثر من 100 ألف شخص، حيث فقد أكثر من 10 آلاف من سكان الأهوار مصادر رزقهم، ونفق ما يزيد عن 15 ألف رأس من الجاموس وانهارت 85% من الثروة السمكية إلى جانب خسارة 88% من الأراضي الرطبة.
انهيار الزراعة وتآكل الأمن الغذائي
الزراعة في العراق ليست مجرد قطاع اقتصادي؛ إنها **ذاكرة** وموروث وهوية. لكن الجفاف يهدد بمسح هذه الهوية بأكملها. القطاع الزراعي، الذي يستهلك أكثر من 80% من موارد المياه العراقية، يواصل الانكماش بوتيرة متسارعة.
أرقام الخبير في مركز المناخ العراقي تشير إلى أن محصولي الحنطة والشعير تراجعا بنسبة تراوحت بين 30% و37% خلال موسم جفاف 2021، بينما انخفض الإنتاج الزراعي الكلي بنسبة 50% في عام 2022، مما اضطر الفلاحين إلى هجر أراضيهم. وفي يناير/كانون الثاني 2026، توقعت منظمة الأغذية والزراعة (FAO) أن تتراوح نسبة الانخفاض في إنتاج القمح بين 30% و50%. ونتيجة لذلك، أصبح العراق يتحول من بلد كان يحقق فائضاً في القمح إلى مستورد يعتمد على الأسواق العالمية، مما يجعله عرضة لصدمات الأسعار والتقلبات الجيوسياسية.
التداعيات الأمنية هنا مباشرة: المجاعة وارتفاع أسعار المواد الغذائية هما من أقوى محركات الاضطرابات الاجتماعية. علاوة على ذلك، فإن انهيار الزراعة يدفع آلاف المزارعين إلى المدن، محوّلاً إياهم من منتجين صامدين إلى نازحين فقراء يعتمدون على دعم الدولة الآخذ في التآكل أصلاً.
الجفاف والأمن الإنساني: أزمة نوعية
لا ينحصر تأثير الجفاف في الاقتصاد وحده، بل يمتد إلى الصحة العامة ونوعية الحياة. ففي البصرة وحدها، أدى نقص مياه الشرب النظيفة عام 2018 إلى نقل نحو 100 ألف شخص إلى المستشفيات. ورغم مرور سنوات، لا تزال الأسباب نفسها قائمة، والتهديدات الصحية متصاعدة.
إضافة إلى ذلك، تتحول ندرة المياه إلى بؤر محتملة للصراع المجتمعي. وكما يوثق تقرير مؤسسة بيرغوف، فإن المجتمعات المحلية بدأت تطوّر آليات تكيف موضعية – مثل جداول الري المتفق عليها محلياً في كركوك، واجتماعات قبلية أسبوعية للتفاوض حول الوصول إلى المياه في ديالى – لكن هذه الأنظمة تبقى هشة أمام حجم التحديات المتصاعدة.
المرأة العراقية في قلب الجفاف – الأعباء الخفية
في خضم هذا المشهد القاتم، تتحمل المرأة العراقية عبئاً مضاعفاً. إذ تظهر الدراسات أن النساء يلعبن دوراً مركزياً في إدارة الموارد المائية المنزلية ومساعدة النازحات والتخفيف من التوترات الاجتماعية، لكنهن يبقين مستبعدات تماماً من عمليات صنع القرار. هذا الإقصاء لا يعكس فقط خللاً في تمثيل النساء، بل يعني أيضاً أن نصف المجتمع ليس جزءاً من حلول الأزمة – رغم أن النساء هن الأكثر تضرراً منها.
فالمرأة التي يضطر زوجها إلى الهجرة إلى المدينة بحثاً عن عمل تتحمل وحدها مسؤولية الأسرة الممتدة؛ والأم التي ينفد حليبها لأن الجاموس قد مات عطشاً تكتشف أن مأساتها لا تظهر في إحصاءات الضحايا. إن الجفاف لا يضرب الأراضي فحسب، بل **يضرب الهياكل الاجتماعية** ويعيد إنتاج أشكال جديدة من التهميش.
ليس الجفاف مجرد نهر يجف، أو أرض تتشقق، أو محصول يموت. الجفاف في العراق اليوم هو **رسالة وجودية**: هل يمكن لبلاد الرافدين أن تصمد عندما تجف منابعها؟ وما الذي يبقى من وطن تتبخر مياهه أمام أعين 46 مليون مواطن؟
العراق، الذي منح العالم الكتابة والقوانين والزراعة، لا يمكن أن يُترك وحيداً في مواجهة الزحف الصحراوي. لكن المسؤولية تبدأ من الداخل: إصلاح المؤسسات، محاربة الفساد، وتطوير حلول ذكية قبل أن تغلق كل الأبواب. وإلا، فستتحول أزمة المياه تدريجياً وبصمت إلى أزمة وجود – وهنا لن يجدي الصراخ، لأن الحضارات لا تموت فجأة، بل تذبل قطرة ماء بعد قطرة.


