الإثنين, 3 أغسطس 2026
  • Home  
  • من حرب المواقع إلى استراتيجية العمق: قراءة في تحولات المشهد العسكري الأوكراني-الروسي
- تقارير دولية

من حرب المواقع إلى استراتيجية العمق: قراءة في تحولات المشهد العسكري الأوكراني-الروسي

مع تجاوز الصراع الروسي-الأوكراني عتبة أربع سنوات من القتال العنيف، أخذت طبيعة المواجهة منحى مختلفاً جذرياً، تمثّل في انتقال جزء متزايد من العمليات القتالية من خطوط التماس المباشرة إلى الأعماق الاستراتيجية لكل من الطرفين. فبينما تواصل الطائرات المسيّرة الأوكرانية استهداف بنى تحتية حيوية داخل الأراضي الروسية، كان آخرها مهاجمة ناقلات نفط في حوض البحر الأسود، […]

مع تجاوز الصراع الروسي-الأوكراني عتبة أربع سنوات من القتال العنيف، أخذت طبيعة المواجهة منحى مختلفاً جذرياً، تمثّل في انتقال جزء متزايد من العمليات القتالية من خطوط التماس المباشرة إلى الأعماق الاستراتيجية لكل من الطرفين. فبينما تواصل الطائرات المسيّرة الأوكرانية استهداف بنى تحتية حيوية داخل الأراضي الروسية، كان آخرها مهاجمة ناقلات نفط في حوض البحر الأسود، تواصل موسكو تنفيذ عملياتها البرية على الجبهات التقليدية، بيد أن معطيات ميدانية، استندت إليها تقارير لوسائل إعلام دولية، تشير إلى تحول تدريجي في مسار الحرب، يتجلى في اضطرار روسيا إلى تعزيز دفاعاتها الجوية والبريّة بالتزامن مع استمرار وتيرة عملياتها الهجومية التي أخذت تخبو زخماً.

تُفيد المستجدات الميدانية بأن القوات الأوكرانية استعادت، للمرة الأولى منذ صيف عام 2024، زمام المبادرة في عدد من المحاور، وذلك في وقت يشهد فيه الجيش الروسي تباطؤاً ملحوظاً في التقدم، إلى جانب تصاعد الضغوط العسكرية والاقتصادية المفروضة على الكرملين. واستناداً إلى تحليل نشرته صحيفة “لو فيغارو” الفرنسية، فإن القوات الروسية لم تعد تحقق، في منطقة دونباس، سوى مكاسب هامشية على حساب خسائر بشرية فادحة، في حين وسّعت أوكرانيا من نطاق هجماتها المضادة لتشمل العمق الروسي وشبه جزيرة القرم، مما دفع محللين استراتيجيين إلى القول إن الرئيس فلاديمير بوتين يواجه حالياً أكبر اختبار لصلابة نظامه منذ اندلاع الحرب.

وتظهر معطيات صادرة عن مراكز أبحاث غربية أن القوات الأوكرانية تمكنت، خلال فصل الربيع، من استعادة نحو 400 كيلومتر مربع في محيط أوليكساندريفكا وهوليايبولي، جنوب شرقي أوكرانيا، قبل أن توسع رقعة عملياتها على امتداد الجبهة. في المقابل، سجّل الجيش الروسي أول خسارة شهرية صافية في المناطق الخاضعة لسيطرته منذ أغسطس/آب 2024، بعد أن تكبد، خلال شهري أبريل/نيسان ومايو/أيار، خسائر مساحية فاقت ما كان قد حققه من مكاسب، وإن عاود تحقيق تقدّم محدود خلال شهري يونيو/حزيران ويوليو/تموز. ورغم احتفاظ روسيا بالسيطرة على قرابة خمس مساحة أوكرانيا، فإن وتيرة تقدمها الميداني تراجعت تراجعاً نوعياً مقارنة بالأشهر الفائتة.

لا تزال منطقة دونباس تمثل المحور الاستراتيجي الأثقل للمواجهة، إذ تواصل القوات الروسية شن هجماتها باتجاه كوستيانتينيفكا ومحيط بوكروفسك، غير أن وتيرة التقدم هناك تبقى بطيئة للغاية، وتُكلّفها خسائر بشرية هائلة؛ إذ تشير تقديرات إلى مقتل أو إصابة نحو 30 ألف جندي روسي شهرياً في هذه العمليات. وتتجلى هنا إشكالية المصداقية في الرواية الرسمية، حيث تتهم كييف موسكو بالمبالغة في الإعلان عن السيطرة على مناطق لأغراض دعائية، وسط تقارير عن استخدام حسابات روسية لصور معدّلة بتقنيات الذكاء الاصطناعي بهدف تضخيم حجم التقدّم الميداني، بينما تؤكد القوات الأوكرانية استمرار تمركزها في عدد من المواقع التي أعلن الجانب الروسي تحريرها.

على صعيد المواجهة بعيدة المدى، كثّفت أوكرانيا عملياتها داخل العمق الروسي وشبه جزيرة القرم، مستهدفة جسوراً ومستودعات ذخيرة ومحطات كهرباء، فضلاً عن تنفيذ هجمات بطائرات مسيّرة طالت مصافي نفط ومستودعات وقود على مسافات بلغت 1300 كيلومتر داخل الأراضي الروسية. وقد فرضت هذه الضربات على موسكو إعادة هيكلة منظومتها الدفاعية الجوية حول العاصمة والمدن الكبرى، كما أسهمت في إحداث اضطراب ملحوظ في سلاسل إمدادات الوقود، وهو ما انعكس سلباً حتى على صادرات النفط الكازاخية العابرة للبنية التحتية الروسية.

ويرى محللون عسكريون أن الطبيعة الراهنة للحرب تمنح أفضلية نسبية للقوات المدافعة، مما يجعل تحقيق اختراقات ميدانية واسعة أمراً بالغ الصعوبة لكلا الطرفين. ومع استمرار الضربات الأوكرانية في العمق الروسي، وتباطؤ التقدم البري، تتصاعد الضغوط على الكرملين، لا سيما مع تراجع معدلات التجنيد الطوعي، وتواتر تقارير تتحدث عن سوء معاملة الجنود داخل المؤسسة العسكرية الروسية. في الجهة الأخرى، تواجه أوكرانيا تحديات لا تقل خطورة، أبرزها النقص الحاد في الصواريخ الاعتراضية اللازمة لمواجهة الهجمات الجوية الروسية، إلى جانب أزمة تجنيد عميقة، تجلّت في احتجاجات اجتماعية متصاعدة مرتبطة بسياسات التعبئة.

في ضوء هذه المعطيات، يتوقع خبراء استراتيجيون أن تشهد الأشهر المقبلة منعطفاً مفصلياً في مسار الحرب، إذ قد تلجأ موسكو إلى إطلاق حملة تعبئة جديدة تتراوح أعدادها بين 300 ألف و500 ألف جندي، وذلك بعد الانتخابات البرلمانية الروسية، إذا ما قررت القيادة تعويض خسائرها البشرية الفادحة. في المقابل، تشير تقديرات عسكرية إلى أن أوكرانيا تمتلك نافذة فرص حتى نهاية سبتمبر/أيلول لتعزيز مكاسبها الميدانية، قبل أن يتيح فصل الشتاء، واستئناف الهجمات الروسية الممنهجة على البنية التحتية للطاقة، فرصةً لموسكو لمحاولة استعادة زمام المبادرة الاستراتيجية.

في المحصلة، يُجمع المحللون على أن الحرب دخلت مرحلة الاستنزاف المتبادل، التي باتت فيها المكاسب الميدانية الواسعة أمراً مستعصياً، في حين برزت الضربات بعيدة المدى والقدرة على استدامة الموارد البشرية والمادية بوصفهما العاملين الأكثر حسماً في تحديد مسار الصراع خلال المرحلة المقبلة، وسط سباق محموم بين الإرادة العسكرية والطاقة اللوجستية لكلا الطرفين.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026