الإثنين, 3 أغسطس 2026
- رأي ومقالات

كرامة الصامت

مازن سلام هناك مواقف تمر بنا في الحياة لا تستغرق سوى دقائق، لكنها تترك في داخلنا أثرًا لا يمحوه الزمن. قد ننسى الوجوه والأماكن، لكننا لا ننسى لحظة رأينا فيها إنسانًا يُهان بصمت، أو مظلومًا لا يجد من يدافع عنه. ومن بين تلك المواقف، كانت رحلتي اليومية إلى العمل درسًا لن أنساه ما حييت. ركبتُ […]

مازن سلام

هناك مواقف تمر بنا في الحياة لا تستغرق سوى دقائق، لكنها تترك في داخلنا أثرًا لا يمحوه الزمن. قد ننسى الوجوه والأماكن، لكننا لا ننسى لحظة رأينا فيها إنسانًا يُهان بصمت، أو مظلومًا لا يجد من يدافع عنه. ومن بين تلك المواقف، كانت رحلتي اليومية إلى العمل درسًا لن أنساه ما حييت.

ركبتُ أحد الباصات المتجهة إلى عملي، وكان سائقه رجلًا عجوزًا تبدو ملامح الفقر والإرهاق واضحة على وجهه. أما الباص، فكان أشبه بامتداد لحياة صاحبه؛ مركبة متعبة قاومت الزمن كما قاوم هو قسوة الأيام، ولم يكن يملك من المال ما يكفي لإصلاحها أو توفير وسائل الراحة التي يتمناها الركاب.

وأثناء الطريق، ثار أحد الركاب فجأة وبدأ يوجه كلمات قاسية إلى السائق، محتجًا على تهالك المقاعد وغياب التبريد، ثم تجاوز حدود النقد إلى الإهانة، فوصفه بالجشع وعديم الضمير، وغادر الباص رافضًا دفع الأجرة، وكأنه يرى أن الإساءة حقٌ من حقوقه.

لكن أكثر ما أثار دهشتي لم يكن تصرف الراكب، بل موقف السائق العجوز. لم يرد، ولم يرفع صوته، ولم يحاول تبرير حاله، بل اكتفى بالصمت. كان صمتًا يحمل كرامة رجل أدرك أن الجدال مع من لا يعرف ظروف الآخرين لن يغير شيئًا، وأن بعض الناس لا يرون إلا ما ينقصهم، ولا يلتفتون إلى ما يعانيه غيرهم.

التفتُّ إلى شاب كان يجلس بجانبي وقلت له إن ما حدث لا يليق بإنسان يحترم نفسه قبل أن يحترم الآخرين. فمن كان يشتكي من مقعد مكسور أو غياب التبريد، كان عليه أولًا أن يتذكر أن هذا الباص هو مصدر رزق رجل فقير، وأن الفقر ليس جريمة، بل قد يكون ابتلاءً يختبر الله به صبر الإنسان وكرامته.

ابتسم الشاب وقال: “متعة الحياة الحقيقية أن تعمل بضمير، وألا تؤذي أحدًا، ثم تعود إلى بيتك مرتاح القلب.” كانت كلمات بسيطة، لكنها حملت معنى كبيرًا، فأجبته: “صدقت، فالإنسان قد يُظلم في الدنيا، لكنه لا يخسر شيئًا إذا بقي متمسكًا بأخلاقه. كن مظلومًا ولا تكن ظالمًا.”

وصلت إلى عملي وما زالت صورة العجوز لا تفارق ذهني. كانت الدموع تملأ عيني وأنا أتساءل: كيف أصبح بعض الناس يقسون إلى هذا الحد؟ كيف فقدت الرحمة مكانها في قلوبهم؟ وحين لاحظ أحد زملائي حزني وسألني عن السبب، رويت له ما حدث، لكنه أجاب ببرود: “ولماذا تتدخل؟”

أجبته بهدوء: “لأن الضمير لا يسمح لي أن أقف متفرجًا على الظلم. الصمت عن الظالم مشاركة له، أما الوقوف مع المظلوم فهو أقل ما يمكن أن يقدمه الإنسان لإنسانيته.”

لقد أدركت يومها أن الأخلاق ليست كلمات نتغنى بها، بل مواقف نثبتها حين نرى الضعيف والمحتاج. فكم من إنسان يملك المال لكنه يفتقر إلى الرحمة، وكم من فقير لا يملك إلا كرامته، وهي أغلى من كل ما يملكه غيره.

إن المجتمع لا ينهار بسبب الفقر، بل ينهار حين يموت الضمير، وحين تصبح القسوة عادة، ويغدو التكبر سلوكًا مألوفًا. وما أحوجنا اليوم إلى أن نتذكر أن احترام الإنسان لا يكون بالنظر إلى ما يملك، بل بالنظر إلى ما يحمله في قلبه من رحمة، وما يقدمه من خير للناس.

قد يصمت المظلوم، لكن صمته ليس ضعفًا، بل كرامة. أما الظالم، فقد ينتصر للحظة، لكنه يخسر أعظم ما يملكه الإنسان: إنسانيته.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026