
رُلا موسى
خلف كل تعليق جارح على منصات التواصل الاجتماعي، تختبئ قصص صامتة. فما نراه اليوم في الفضاء الرقمي العراقي، من شتائم، وقذف، وهتك للأعراض، ليس مجرد سوء أدب عابر، بل هو انعكاس لواقع نفسي واجتماعي معقد. أن من يمسك هاتفه ليكتب أقسى العبارات ضد أي شخص كان، هو في الغالب انسان يعيش تهميشاً قاسياً في واقعه اليومي، داخل بيت يفتقر للدفء والاحترام، أو ينتمي لمجتمع يكسر طموحه أو لديه شعور بالدونية والعجز فيولد لديه صغط نفسي. نتراكم وطاقة غضب هائلة لا تجد متنفساً لها في الواقع.
فيتحول الفضاء الالكتروني إلى ساحة لتفريغ هذا الكبت. حيث يمارس الفرد حيلة نفسية تنقل غضبه من ظروفه القاهرة التي لا يستطيع مواجهتها، إلى هدف أسهل خلف الشاشة، ليختبر شعوراً مزيفاً بالقوة والسيطرة، افتقده في حياته الحقيقية. وحين تقع عين هذا الشخص المهمش على صور ومقاطع لأشخاص يبدون أكثر سعادة أو استقرار منه، تشتعل في داخله نيران المقارنة وتتحول الغيرة إلى حقد دفين. هو لا يكره هؤلاء الأشخاص لذواتهم، بل يكره حظه العاثر وحرمانه المستمر، فيحاول من خلال التنمر والكلمات القاسية تحطيم تلك الصورة التي تذكره بنقصه.
فمحاولة تشويه حياة الآخرين تخفف من بشاعة واقعه، وهنا يمكننا أن نفهم أن العنف الرقمي في مجتمعنا، هو صرخة استغاثة مشوهة، من أرواح متعبة، تبحث عن الاعتراف والوجود. والحل الحقيقي لا يكمن فقط في قوانين الجرائم الالكترونية أو حظر الحسابات الوهمية، بل يبدأ من جذور المشكلة، بمعالجة الفقر وتوفير بيئات أسرية ومجتمعية تحترم كرامة الانسان، وتستوعب طاقاته المهدورة، حتى نصل إلى جيل متصالح مع نفسه، لا يحتاج إلى قناع الكتروني أو شاشة مظلمة ليثبت أنه موجود وصوته مسموع.


