
مرّ أكثر من عام على انطلاق مسار “السلام والمجتمع الديمقراطي” بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني، وهو المسار الذي شهد خطوات باتجاه وقف إطلاق النار ونزع السلاح، في مؤشر على تحول استراتيجي في سياسات أنقرة تجاه الملف الكردي. لكن المفارقة اللافتة تكمن في استمرار القوات التركية بالانتشار داخل أراضي إقليم كردستان العراق، رغم انتقال مبادرة السلام إلى مرحلة جديدة، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى جدية أنقرة في فك الارتباط بين ملفها الداخلي وحساباتها الإقليمية، وحول مصير الذريعة التي ظلت لسنوات تبرر هذا التوغل العسكري.
تزامنت التطورات الإيجابية على صعيد مسار السلام الداخلي مع تحرك برلماني تركي لافت تمثل في تقديم مشروع قانون “تعزيز الوحدة الاجتماعية والتضامن الوطني” إلى رئاسة البرلمان في الخامس من آب/أغسطس الماضي، بموافقة 367 نائباً، وتضمن المشروع 12 بنداً، ناقشته لجنة العدل في اجتماع استمر 18 ساعة، وأقرته بأغلبية الأصوات تمهيداً لعرضه على الجلسة العامة.
وفي هذا السياق، يرى مراقبون للشأن السياسي أن هذا المشروع يمثل إطاراً قانونياً مهماً لتثبيت السلام داخل الحدود التركية، ويعكس نية حكومية للانتقال من منطق المواجهة العسكرية إلى الحلول السياسية والتشريعية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل يمكن فصل هذا التوجه الداخلي عن السياسات الخارجية لأنقرة، خاصة في ما يتعلق بالوجود العسكري التركي داخل العراق؟
ذريعة “حزب العمال” بين الماضي والمستقبل
ظلت أنقرة تستند، لعقود، إلى وجود حزب العمال الكردستاني في مناطق شمال العراق كمبرر رئيسي لاستمرار عملياتها العسكرية وقواعدها داخل الأراضي العراقية. غير أن المحللين والخبراء في الشأن السياسي يؤكدون أن هذا المبرر فقد الكثير من زخمه في ظل التطورات الأخيرة، إذ أصبح الحزب طرفاً في حوار سياسي مع الدولة التركية، ويجري الحديث عن نزع سلاحه وحلّ إشكالاته بالطرق السلمية.
ويرى هؤلاء أن استمرار الوجود العسكري التركي في هذا السياق الجديد يثير إشكالية قانونية وأخلاقية، إذ لم يعد ممكناً الاستمرار في تبرير التوغل العسكري بذريعة باتت محل تساؤل، خاصة مع دخول الأطراف المعنية في مسار تفاوضي جاد. ويعتبر البعض أن هذه اللحظة التاريخية تمثل فرصة حقيقية لإنهاء حالة الصراع الممتدة، وإعادة النظر في أسس العلاقة بين أنقرة والعراق، بما ينسجم مع مبادئ السيادة والجوار.
التناقض بين المصالح الاقتصادية والتدخل العسكري
تشير التحليلات إلى أن استمرار الوجود العسكري التركي لا يرتبط بالجانب الأمني فقط، بل يتداخل مع شبكة معقدة من المصالح والعلاقات السياسية بين أنقرة وقوى سياسية داخل العراق وإقليم كردستان. فثمة أطراف كردية تتعامل مع هذا الوجود من منظور براغماتي قائم على المصالح الاقتصادية والسياسية المشتركة، في حين يرفض جزء واسع من الشارع الكردي هذه التدخلات ويعتبرها انتهاكاً للسيادة الوطنية.
وفي هذا الإطار، تبرز مفارقة أخرى، إذ تربط أنقرة وبغداد وأربيل مصالح اقتصادية واستراتيجية ضخمة، يتصدرها خط أنابيب النفط الممتد من كركوك إلى ميناء جيهان التركي، فضلاً عن مشروع “طريق التنمية” الذي يحمل آمالاً كبيرة في إعادة رسم خريطة التجارة الإقليمية. ويرى المحللون أن هذه المصالح المشتركة يجب أن تشكل أساساً لعلاقات قائمة على الاحترام المتبادل للسيادة، بدلاً من أن تُستخدم كغطاء للتدخل العسكري أو كأداة ضغط على الحكومة العراقية.
موقف الحكومة العراقية بين البيانات والفعل
على صعيد الموقف الرسمي لبغداد، فقد شهدت السنوات الماضية مطالبات نيابية وسياسية متكررة بإنهاء الوجود العسكري التركي وإخراج القوات الأجنبية من الأراضي العراقية. لكن هذه المطالبات بقيت، في معظمها، محصورة في إطار البيانات الرسمية والمواقف السياسية، دون أن تترجم إلى خطوات عملية حازمة تضع حداً لهذا التوغل. ويُعتبر هذا التراجع في الموقف العملي أحد الأسباب التي تسمح باستمرار التدخلات التركية، وتمنح أنقرة مساحة للمناورة في المنطقة.
ويرى متابعون أن الحكومة الاتحادية تتحمل مسؤولية أساسية في معالجة هذا الملف، باعتبار أن السياسة الخارجية والدفاع عن السيادة الوطنية من اختصاصاتها الحصرية، وأن أي تقاعس في هذا المضمار يُضعف موقف العراق إقليمياً ودولياً، ويفتح الباب أمام تدخلات إضافية من جهات أخرى.
ملامح استراتيجية تركية أوسع
لا يمكن قراءة الوجود العسكري التركي في العراق بمعزل عن الاستراتيجية الإقليمية الشاملة لأنقرة، إذ يأتي هذا التحرك ضمن انتشار عسكري تركي أوسع في المنطقة، يشمل سوريا وليبيا ومناطق أخرى. ويمثل العراق أحد الملفات المحورية في هذه الاستراتيجية، نظراً لموقعه الجيوسياسي وموارده الطبيعية وامتداد نفوذ القوى الإقليمية والدولية فيه.
غير أن المحللين يرون أن المشاريع الاقتصادية المشتركة، وفي مقدمتها طريق التنمية، قد تخلق أرضية مشتركة لإعادة تعريف العلاقة بين البلدين، بما يسمح بتحويل التنافس الأمني إلى تعاون اقتصادي وسياسي، على أن يكون احترام السيادة العراقية شرطاً أساسياً لأي شراكة مستقبلية.
فرصة تاريخية قد لا تتكرر
تمثل المرحلة الراهنة منعطفاً حاسماً في العلاقات التركية – العراقية، وفي مسار التعامل مع ملف حزب العمال الكردستاني. ففي الوقت الذي تسعى فيه أنقرة إلى ترسيخ السلام داخلياً عبر مشروع قانون الوحدة الوطنية، فإن استمرار وجودها العسكري داخل العراق يُضعف مصداقية هذه الجهود، ويُبقي على حالة من التوتر والريبة تعيق بناء علاقات مستقرة قائمة على الاحترام المتبادل.
لقد عانى إقليم كردستان والقرى الحدودية لعقود من تداعيات هذا الصراع، من سقوط ضحايا مدنيين، وإخلاء قرى، وتدمير بيئي وزراعي، واحتراق غابات. واليوم، ومع دخول مسار السلام ونزع السلاح مرحلة جديدة، تتجدد الآمال في إنهاء هذه المعاناة، وفتح صفحة جديدة في العلاقات بين الجارتين تقوم على الحوار، واحترام السيادة، والاستفادة من المصالح المشتركة الهائلة التي تجمعهما.
لكن تحقيق ذلك يتطلب خطوات عملية من الجانب التركي لسحب قواته، ومن الجانب العراقي لتبني موقف أكثر حزماً، ومن الأطراف الكردية للعب دور بناء في تسهيل هذه المعادلة. وإلا فإن السؤال الأكبر سيظل معلقاً: هل ستتحول ذريعة “حزب العمال” من مبرر للتدخل إلى فرصة للانسحاب، أم أن أنقرة ستجد مبررات جديدة لإطالة أمد وجودها العسكري داخل العراق؟



