
محمد الأمارة
حاتم: أي مضبوطات.
حاتم يجلس على كرسي، ويمدّ حذاءه نحو مهيمن ليقبّله. ينظر إليه مهيمن وهو متوتر، ويعاني من اضطرابات تهزّ جسمه كلّه. يحدّق نحو حاتم متردّداً، لا يريد أن يفعلها. في اللحظة التي يقرّر فيها مهيمن التنازل والركوع نحو حذاء حاتم.
وما هي إلّا لحظات حتى اقتحمت شرطة مكافحة المخدرات شقة حاتم سريعاً، وألقت القبض عليهما. وحاتم متفاجئ من الموقف، غير مصدّق لما جرى.
الضابط: نحن كنّا نراقبكم من زمان يا حاتم… وضحاياك قد كثُروا.
حاتم: سيدي… أنا بريء. هذا مهيمن، هو يتاجر بالممنوعات، أنا فقط متعاطٍ.
الضابط: كل نشاطاتك نعرفها، ومدوّنة لدينا. لكن تريّثنا لنعرف مصدر تمويلك، واليوم تمّ القبض على الرأس الكبيرة التي تنتمي لها أنت… والعدالة هي التي تقرّر مصيركم.
مهيمن: سيدي، هذا هو من ورّطني… وأنا بريء.
الضابط: كان يجب عليك أن تنتبه، ولا تسمح لأي أحد أن يورّطك، أياً كان من يكون. أنا لا أستطيع أن أبرئك، السيد القاضي هو الذي سيقرّر مصيرك.
يأمر الضابط الشرطة.
الضابط: هيّا، اقبضوا على الاثنين معاً.
(أمل) في الدار تنتظر قدوم (مهيمن)، فقد جاء الليل وهو لم يحضر إلى الدار، وبدأ خوفها الأزلي يساورها ويؤجّج القلق والذعر لديها. في ما مضى كانت كل حواسها، يداها وقدماها، ترتجفان لأي خوف أو ذعر ينتابها، ولا تستطيع أن تستوعب أي حدث يحدث لها أو خوف يهاجمها. لكن مع مرور الوقت، وحجم كل مشاعر الخوف، جعلها أكثر صلابةً.
اتصلت بابنها عبد الله، وأعلمته بتأخر أخيه (مهيمن) عن الدار.
عبد الله: نعم يا أمي. أعرف أن مهيمن قد تأخر عن العودة إلى البيت… فقد تحقّق نبأ الخوف الذي كنتِ تتوخّينه كل هذه السنين. ليس بيدك حيلة… فالخوف يأتي عاجلاً أو آجلاً… فنحن في زمن الخوف.
أمل: لقد أفقْتِني صوابي، وضاق صدري، وارتجفت قدماي. أي مصيبة قد حلت علينا يا ابني، وأي خوف داهمنا… الله يرضى عنك، أن تفسّر لي… ولا تتركني أُفسّر كلامك المبهم وأنا بحالي هذا.
عبد الله: الخوف يا أمي… ألا يعني لكِ الخوف أننا في ورطة ومصيبة؟ ماذا تريدينني أن أُفسّر؟ هل أُفسّر لكِ أن (مهيمن) ضاع وسط كل هذا الخوف الذي كنّا نخشاه؟ الإنسان يا أمي، عليه قدر يأتيه كالموت، ولا يستطيع أن يجتنبه أو يفرّ منه إلّا ذو حظٍ عظيم. سأترك الآن يا أمي لتعيشي خوفك مع نفسك، تشاجري معه، خاصميه أو اقتليه. افعلي كل الأشياء القبيحة معه، واطرديه من أفكارك، واقتلعيه من جذورك، واطرديه إلى منفاه البعيد، إلى أبعد جزر تفكيرك، ودعيه يموت هناك مع الأموات الآخرين. الجزع، واليأس، والبؤس. فنحن في حياة لا تقبل هؤلاء، ولا تدخلهم أجوائها.
تأجّجت كل آهات (أمل)، وعصرتها آلام سنين قد مضت، والحيرة والجزع قد حضرا. ووقف أمامها الخوف بكل جبروته، وهو مبتسم يضحك متسلّياً بها، ويفخر أنه استطاع أن يفعل بها كل الذي فعل. وضع ساقاً على ساق، وبدأ يعيد لها سرد حياتها، وكيف أنه تسلّل إلى حياتها منذ زمن بعيد، واستطاع أن يغلبها في كل الجولات حتى انتصر. نظرت إليه أمل، شعرت أنه يجب عليها فعل شيء، وإلّا ستنتهي حياة أسرتها. يجب عليها أن تدافع عن كيانها وحياة أولادها. نهضت واقفة كجبل صخري، وشمّرت عن ساعديها. تقدّمت نحو مجسّم الخوف المستهزئ بها. أمسكت بجلابيبه، وهزّته إليها هزّاً عنيفاً، وهي تصرخ به.
أمل: كفى… قلت لك لأكثر من مرّة كفى… ألا تفهم؟ لقد دمرت حياتي… وعذّبتني بظهورك الدائم لي بين الحين والآخر… تستهزئ بي، وتجعلني كدمية بائسة لا أقوى على فعل شيء. حالي حال الصخر، ليس فيه روح أو فعل أذود به عن نفسي وأولادي. لكن اليوم قررت أن أقتلك لأحرّر ذاتي. نعم، سوف أقتلك لأعيش من أجل أولادي… سأقتلك مرّاتٍ ومرّاتٍ، بل بعدد المرّات التي ظهرت بها إليّ.
(أمل) تمسك بجلابيب شبح الخوف، وتصعد بيديها نحو عنقه، وتخنقه بقوة بكل ما أوتيت من شدّة، وهي تصكّ أسنانها.
تراودها كل صورة مرّت عليها في حياتها، كانت فيها خائفة، حذرة… مرّت أمامها تلك الصور سريعةً بلا فواصل، والخوف مستسلماً لموته دون أي مقاومة أمامها. لفظ أنفاسه الأخيرة، ومات. وماتت معه سخريته المعتوهة، سخريته اللاذعة التي طالما تجرّعتها وهي متألمة من قسوته. شعرت أنه قد مات بين يديها، وعمّ السكون في المكان. التفتت إلى يمينها ويسارها. شعرت أن شيئاً بدأ يدبّ في ثنايا جسدها، شيء يسري في عروقها، بارد، فيه ابتهاج. أحسّت أن أساريرها قد تحرّرت، أنفاسها تبدّلت، رؤياها صارت أوضح. تبدّلت عندها الصورة الباهتة إلى صور ملونة جميلة. رنّ موبايلها، إنه رقم موبايل ابنها (عبد الله).
أمل: ألو… عبد الله.
عبد الله: أمي… افرحي وهلّلي… لقد أفرج القاضي عن أخي…
أمل: الحمد لله، لقد نصرني الله على مخاوفي، وفرّج عني وأفرحني. الحمد لله… ربي… أنت القوي، ونحن عبادك، منك الرحمة نرتجي.
…… النهاية …..


