الإثنين, 3 أغسطس 2026
  • Home  
  • حين يصبح الصمت شريكًا في الجريمة
- فكر ودراسات

حين يصبح الصمت شريكًا في الجريمة

حوراء علي الركابي هناك جرائم لا تبدأ بإطلاق رصاصة، ولا بإشهار سكين، ولا حتى بإصدار أمر اعتقال. هناك جرائم تبدأ عندما يقرر الجميع أن يصمتوا. نحن نعيش في زمنٍ أصبح فيه الصمت فضيلةً مزيفة، بينما الحقيقة تُعامل كأنها جريمة. فمن يتحدث عن الفساد يُتهم بأنه يسيء إلى الوطن، ومن يكشف الظلم يُقال إنه يثير الفتنة، […]

حوراء علي الركابي

هناك جرائم لا تبدأ بإطلاق رصاصة، ولا بإشهار سكين، ولا حتى بإصدار أمر اعتقال. هناك جرائم تبدأ عندما يقرر الجميع أن يصمتوا.

نحن نعيش في زمنٍ أصبح فيه الصمت فضيلةً مزيفة، بينما الحقيقة تُعامل كأنها جريمة. فمن يتحدث عن الفساد يُتهم بأنه يسيء إلى الوطن، ومن يكشف الظلم يُقال إنه يثير الفتنة، ومن يطالب بالعدالة يُوصف بأنه حالم لا يفهم الواقع.

قال الأديب الروسي فيودور دوستويفسكي: (أسوأ أنواع العبودية هي أن يعتاد الإنسان عليها). وهذه ليست جملة أدبية فحسب، بل تشريحٌ لمجتمعاتٍ اعتادت رؤية الظلم حتى فقدت قدرتها على الدهشة.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب الإنسان ليس أن يُسلب حقه، بل أن يقتنع بأن المطالبة بهذا الحق نوعٌ من الوقاحة.

لقد كتب جورج أورويل في روايته الشهيرة 1984 عن سلطةٍ تستطيع أن تجعل الناس يشكون في أعينهم قبل أن يشكوا في الحاكم. واليوم لم تعد هذه الفكرة خيالًا روائيًا؛ فكم من حقيقةٍ أصبحت محل نقاش، وكم من كذبةٍ تحولت إلى حقيقةٍ رسمية لأنها تكررت آلاف المرات.

ولعل السؤال الأكثر إزعاجًا هو:

من يصنع الطغاة؟

قد تكون الإجابة صادمة. فالطاغية لا يولد من فراغ، بل تصنعه الجماهير التي تتنازل عن حريتها بالتقسيط. فكل تنازل صغير يبدو غير مهم، حتى يأتي اليوم الذي لا يبقى فيه شيء يمكن الدفاع عنه.

كان ألبير كامو يرى أن التمرد ليس دعوة إلى الفوضى، بل دفاعٌ عن كرامة الإنسان. فالإنسان الذي يرفض الظلم لا يعلن الحرب على المجتمع، بل يحاول إنقاذه من نفسه.

إن الأمم لا تنهار عندما يكثر فيها الأشرار، وإنما عندما يصبح الأخيار متفرجين.

وليس المقصود من هذا المقال أن ندعو الناس إلى الصدام، بل أن ندعوهم إلى التفكير. فالتفكير هو أول أشكال المقاومة، والكلمة الحرة هي أول خطوة نحو الإصلاح.

لقد اعتدنا أن نبحث عن المذنب في كل مكان، إلا في داخلنا. نلوم السياسي، والإعلام، والاقتصاد، والظروف، لكننا ننسى أن المجتمع الذي يخاف من الكلمة سيخاف لاحقًا من الفكرة، ثم من السؤال، ثم من الحلم.

ولهذا فإن أخطر أنواع الرقابة ليست رقابة الدولة، بل الرقابة التي يفرضها الإنسان على نفسه خوفًا من رأي الآخرين.

قال فرانتس كافكا: “كل ثورة تتبخر، ولا يبقى إلا طين البيروقراطية.” وربما كان يقصد أن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من تغيير الوجوه، بل من تغيير الثقافة التي تسمح بإعادة إنتاج الأخطاء نفسها.

إن التاريخ لا يتذكر الذين التزموا الصمت، بل يتذكر الذين دفعوا ثمن الكلمة.

وقد يبدو هذا الكلام مثاليًا، لكنه في الحقيقة واقعي للغاية؛ لأن الحضارات لم تُبنَ بالمجاملات، بل بالنقد، ولم تتقدم بالتصفيق، بل بالأسئلة.

إن المجتمع الذي يخاف من السؤال لن يجد جوابًا عندما تقع الكارثة.

ولعل أكثر الأفكار إثارةً للجدل هي أن الصمت ليس موقفًا محايدًا. ففي لحظة الظلم، يصبح الصمت اصطفافًا غير معلن مع الأقوى، حتى لو لم يقصد صاحبه ذلك.

ولهذا فإن المسؤولية الأخلاقية لا تقتصر على من يرتكب الخطأ، بل تمتد إلى من يشاهده ويبرره، أو يلتزم الصمت حياله.

ربما لا نستطيع تغيير العالم كله، لكننا نستطيع أن نمنع أنفسنا من أن نصبح جزءًا من المشكلة. فالكلمة الصادقة قد تبدو ضعيفة أمام ضجيج الأكاذيب، لكنها تملك ميزةً لا يملكها الباطل: أنها تبقى.

وفي النهاية، تبقى الأمم التي تحترم الحقيقة، مهما كانت مؤلمة، أقوى من الأمم التي تعيش على الأوهام، لأن الحقيقة قد تؤلم يومًا، أما الوهم فيقتل مستقبلًا كاملًا.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026