• Home  
  • المرأة العراقية والسياسة: بين إرث النضال ووهم المشاركة الذكورية
- امرأة ومجتمع

المرأة العراقية والسياسة: بين إرث النضال ووهم المشاركة الذكورية

أنغام ابراهيم جميل تُعد مشاركة المرأة في الحياة السياسية ركيزة أساسية من ركائز الديمقراطية الحقيقية، ومؤشراً جوهرياً على نضج المجتمعات وتطورها. فالديمقراطية التي لا تضمن للمرأة حق التصويت والترشح، وتولي المناصب القيادية، تظل ناقصة الهيكل، هشّة الأسس. غير أن واقع الحال في العراق يُظهر نموذجاً مغايراً؛ إذ تعاني التجربة الديمقراطية فيه من طابع ذكوري صارخ، […]

أنغام ابراهيم جميل

تُعد مشاركة المرأة في الحياة السياسية ركيزة أساسية من ركائز الديمقراطية الحقيقية، ومؤشراً جوهرياً على نضج المجتمعات وتطورها. فالديمقراطية التي لا تضمن للمرأة حق التصويت والترشح، وتولي المناصب القيادية، تظل ناقصة الهيكل، هشّة الأسس. غير أن واقع الحال في العراق يُظهر نموذجاً مغايراً؛ إذ تعاني التجربة الديمقراطية فيه من طابع ذكوري صارخ، يكاد يكون متعالياً على مبادئ العدالة والمساواة، مما يجعلها ديمقراطية “مزيّفة” أو “منقوصة” لا ترقى إلى مستوى الوعي السياسي والاقتصادي والاجتماعي المنشود.

فالمشاركات النسوية في أروقة الدولة العراقية، على اختلاف مستوياتها، تظل في الغالب مشاركات شكلية وصورية، تؤدي وظيفة “الديكور” السياسي الذي يُستخدم لتجميل الصورة النمطية للحالة السياسية المتخلفة، دون أن تمتلك المرأة فعلياً أدوات التأثير أو صناعة القرار. وحتى المقاعد النيابية المخصصة للنساء عبر نظام “الكوتا” تأتي بنسبة مخجلة، وكثيراً ما تُنتخب نساء لا يمثلن طموحات جماهير النساء، بل يُخترن وفق حسابات حزبية وعشائرية، مما يُفقد التمثيل النسوي معناه الحقيقي، ويُحوله إلى إجراء بيروقراطي فارغ المضمون.

إن التحدي الأكبر لا يكمن في غياب الكفاءات النسوية، بل في غياب الوعي السياسي الجمعي الذي يمكّن المرأة من فرض وجودها على الساحة الوطنية. وهذا يستدعي تعزيز دور المنظمات النسوية، ومؤسسات المجتمع المدني، والنقابات المهنية، والاتحادات العمالية، وغيرها من التجمعات الجماهيرية، لتكون منابر فاعلة لإعداد قيادات نسوية قادرة على خوض غمار العمل السياسي والعام بكفاءة واقتدار. فالمجتمع المدني هو الرئة التي تتنفس من خلالها المرأة قضاياها، وهو الوسيلة الأنجع لتجاوز العزلة السياسية المفروضة عليها.

ولئن بدا المشهد الراهن قاتماً، فإن التأريخ السياسي للعراق يزخر بنماذج نسوية مشرقة تؤكد أن المرأة العراقية تمتلك جذوراً علمية وقانونية وسياسية عميقة. ففي ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، برزت أسماء لامعة مثل الشاعرة الكبيرة نازك الملائكة التي هزت المشهد الثقافي بقصيدة “الكوليرا” وإسهاماتها النقدية، والشاعرة لميعة عباس عمارة التي كانت صوتاً نسوياً متمرداً، فضلاً عن السياسية والقانونية الرائدة نزيهة الدليمي، التي شغلت منصب أول وزيرة في العراق عام 1959 في حكومة عبد الكريم قاسم – وهو إنجاز سبق به العراق العديد من الدول العربية، مما يؤكد أن المرأة العراقية لم تكن يوماً غائبة عن الفعل الوطني، بل كانت شريكاً مؤسساً في بناء الدولة الحديثة.

بل إن التاريخ يشهد بمشاركة المرأة العراقية في العمل العسكري والمقاومة الوطنية في مراحل مختلفة، مما يدحض الفكرة الذكورية المتخلفة التي تحصر دورها في المنزل، أو تستهين بقدراتها القيادية، رغم حصولها على درجات علمية عالية وتحصيل أكاديمي متميز. إن هذه النظرة الدونية تعكس أزمة مجتمعية عميقة، تحتاج إلى معالجة جذرية عبر التعليم والإعلام والتشريعات المنصفة.

لذلك، فإن المطلوب اليوم هو نضال إيجابي منظم، يرتكز على تعزيز الوعي الحقوقي، وبناء تحالفات نسوية عابرة للطوائف والأحزاب، والعمل على تعديل القوانين الانتخابية لضمان تمثيل حقيقي، ليس كمّاً فقط، بل نوعياً يؤثر في صياغة السياسات العامة. كما ينبغي تفعيل دور المرأة في المفاوضات السلمية وحل النزاعات، وإشراكها في اللجان الدستورية والقضائية، إلى جانب دعم ترشحها لمناصب المحافظين والوزراء والقضاء.

إن إعادة الاعتبار للمرأة العراقية سياسياً ليس ترفاً أخلاقياً، بل ضرورة وطنية لإنقاذ الدولة من أزماتها المتراكمة، وإعادة بناء مؤسساتها على أسس الكفاءة والعدالة. فالمرأة ليست نصف المجتمع فحسب، بل هي المفتاح الأساسي لتغيير الخطاب الذكوري المتصلب، وهي الأداة الأكثر فاعلية لتحقيق تنمية شاملة ومستدامة، شريطة أن تتسلح بالعلم، والتنظيم، والإرادة، وتتجاوز دور المكمّل إلى دور القائد والمبادر.

إن راهن العراق يستدعي استلهام روح الرائدات الأوائل، وتطوير أدوات النضال بما يتناسب مع تحديات القرن الحادي والعشرين، وتحويل المشاركة السياسية من “إكراه الكوتا” إلى “فعل سيادي” تمارسه المرأة بكامل إرادتها وكفاءتها، ليكون حضورها عنواناً لنهضة حقيقية، ودليلاً على أن العراق قادر على تجاوز أسر الذكورية السياسية إلى فضاء الرحابة والديمقراطية الحقة.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026