الإثنين, 3 أغسطس 2026
  • Home  
  • القلم العراقي بين شهادة الهزيمة وتبريرها
- أدب وفن

القلم العراقي بين شهادة الهزيمة وتبريرها

محمد حسن علي في مشهد الثقافة العراقية المعاصرة، يتجلى السؤال النقدي السابق بأبلغ صوره. فبلد عرف بشعرائه وروائييه ومثقفيه، تحوّل إلى مختبر حي لاختبار علاقة الأدب بالهزيمة السياسية. فمنذ تحولات 1958، مروراً بزمن الدكتاتورية الطويل، وصولاً إلى حقبة ما بعد 2003، طبعت التحولات السياسية حقب الأدب العراقي، تاركة بصماتها على نصوصه وأقلام كتّابه. فهل كان […]

محمد حسن علي

في مشهد الثقافة العراقية المعاصرة، يتجلى السؤال النقدي السابق بأبلغ صوره. فبلد عرف بشعرائه وروائييه ومثقفيه، تحوّل إلى مختبر حي لاختبار علاقة الأدب بالهزيمة السياسية. فمنذ تحولات 1958، مروراً بزمن الدكتاتورية الطويل، وصولاً إلى حقبة ما بعد 2003، طبعت التحولات السياسية حقب الأدب العراقي، تاركة بصماتها على نصوصه وأقلام كتّابه. فهل كان الأدب العراقي كاشفاً للحقيقة أم مبرراً للفشل؟

أولاً: أدب الهزيمة الشاهد والمبرر

في روايات عراقية كثيرة، تجلت الهزيمة ليس كحدث سياسي فحسب، بل كهزيمة اجتماعية وفكرية شاملة. غير أن الخطر يبرز حين تتحول هذه الشهادة إلى تبرير، حين تصير الهزيمة قدراً محتوماً لا مفر منه. فقد أشار الناقد حاتم الصكر إلى أن نصوصاً عراقية كثيرة حملت سمات “الخوف” التي لم تغادر الذاكرة، متجلية في “نصوص حول الحروب وعسكرة المجتمع، والعناء في سنوات الحصار”. بيد أن الفارق بين الشهادة والتبرير دقيق: فالأولى تكشف الجرح، والثاني تكرسه وتجعله مبرراً للاستسلام.

ثانياً: المثقف بين النقد والاستلاب

كشف برهان شاوي في رواياته عن عجز المثقف العراقي عن مقاومة السلطة، حيث يظهر بعض المثقفين “بوصفهم أدوات للنظام أو شهوداً صامتين على القمع”. وهذه هي الصورة الأكثر إيلاماً للمثقف الذي يتحول من ناقد للسلطة إلى جهاز صامت يعزز سطوتها. فالمثقف العراقي، كما يشير الناقد حسب الله يحيى، كان قبل 2003 يقرأ الكتب والصحف سراً في زمن الخوف، لكنه اليوم يواجه تحدياً مختلفاً: سلطة جديدة تسن قوانين مضادة لحرية التعبير، ما يجعله عرضة لأن يكون “بوقاً للسلطة” الجديدة أو شاهداً صامتاً على ظلمها. وما يزيد الطين بلة، أن “عقلية السياسي المنتمي إلى الأحزاب الدينية-السياسية” قد فرضت نفسها على الحقل الثقافي، محولة المثقف من فاعل نقدي إلى أداة في لعبة المحاصصة.

ثالثاً: ثقافة اليأس أم النص الغاضب؟

في المقابل، يرى البعض أن الأدب العراقي بعد 2003 حمل سمات “الغضب والسخط العام”، وأن هناك نصاً “غاضباً وناقداً ورافضاً ومحتجاً”. غير أن السؤال الإشكالي: هل هذا الغضب يتحول إلى يأس معطل، أم إلى وعي ناقض؟ فالناقد الصكر يلفت إلى أن “الديستوبيا شاعت بعد ظهور المتطرفين”، وهو ما قد ينشر ثقافة العجز تحت مسمى النقد. إن أدب اليأس لا يختلف كثيراً عن أدب التبرير، فكلاهما يعطل الفعل ويشل الإرادة.

نحو قلم واعٍ لا منكسر

إن التجربة العراقية تعلّم أن الأدب حين يكون شاهداً أميناً على الهزيمة دون أن يتحول إلى مبرر لها، وحين يكون ناقداً للسلطة دون أن يصير بوقاً لها، وحين ينشر الوعي لا اليأس، فإنه يظل وفياً لرسالته التنويرية. المثقف العراقي اليوم مدعو، كما يشير بعض النقاد، إلى تجاوز “ثقافة السلطة” نحو “ثقافة المستقبل”، وإلى أن يكون “مثقفاً عضوياً” يحاول إحداث وعي نقدي في المجتمع، لا أن يكرر خطاب السلطة. القلم العراقي لم ينكسر بعد، لكنه يحتاج إلى من يذكره بأن رسالته الأولى هي الكشف، لا التبرير؛ النقد، لا التطبيل؛ والأمل، لا اليأس.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026