
بسام البديري
كانتبري – إنجلترا
15 مارس 2019
كانت السماء تمطر بخفة عندما وقفت إيما هاريس أمام نافذة منزلها الصغير، تتأمل قطرات المطر وهي تنساب على الزجاج.
لم تكن قد تجاوزت الثامنة عشرة من عمرها حين تزوجت من دانيال ووكر، الشاب الذي أحبته منذ سنوات الدراسة. كانا يحلمان بحياة هادئة، ومنزل يملؤه ضحك الأطفال.
لكن الأحلام لا تتحقق دائمًا كما يرغب أصحابها.
مرّ عام، ثم عام آخر، ولم تحمل إيما.
أصبحت زيارات الأطباء جزءًا من حياتهما، وكانت نتائج الفحوصات تؤكد في كل مرة أن كل شيء طبيعي، وأن عليهما الانتظار فقط.
إلا أن الانتظار كان أقسى من أي مرض.
لاحظ دانيال أن زوجته بدأت تنعزل عن العالم، فأصبح يقضي ساعات طويلة محاولًا إخراجها من صمتها.
وفي إحدى الأمسيات قال لها:
_ما رأيكِ أن تعملي في روضة للأطفال؟ ربما يمنحكِ وجودهم بعض الراحة.
ابتسمت ابتسامة باهتة، ثم وافقت.
في البداية، أحبت إيما عملها.
كان الأطفال يركضون حولها، يضحكون، ويتشاجرون على الألعاب، ثم يتصالحون بعد دقائق.
كانت تعاملهم بحنان، لكنها في أعماقها كانت تشعر بوخزة مؤلمة كلما حملت طفلًا بين ذراعيها.
كانت تتساءل دائمًا:
(لماذا يُرزق الجميع بالأطفال إلا أنا؟)
وبمرور الوقت، تحول هذا السؤال إلى شعور خفي بالغيرة، ثم إلى شيء أكثر ظلمة، حتى إنها أصبحت تخجل من الاعتراف به لنفسها.
في صباح أحد الأيام، انقلب كل شيء.
ارتفع صراخ إحدى المعلمات داخل الروضة.
(أحد الأطفال يختنق!)
ركض الجميع نحو مصدر الصوت.
كان طفل في الخامسة من عمره يُدعى لوكاس ميلر قد ابتلع قطعة صغيرة من لعبة بلاستيكية.
كان وجهه يزداد ازرقاقًا، ويداه ترتجفان وهو يحاول عبثًا أن يلتقط نفسًا واحدًا.
وقفت إيما على بعد خطوات.
كانت تعرف تمامًا ما يجب فعله؛ فقد خضعت قبل أشهر لدورة في الإسعافات الأولية، وكانت قادرة على إنقاذه في ثوانٍ.
لكنها بقيت مكانها.
كانت تنظر إلى الطفل وهو يصارع الموت، وكأن قدميها التصقتا بالأرض.
مرّت ثوانٍ…
ثم دقائق…
حتى سقط جسد لوكاس ساكنًا.
ساد الصمت.
أما داخل إيما، فقد حدث شيء لم تستطع تفسيره.
لم تبكِ.
ولم تشعر بالذنب.
بل أحست براحة غريبة، وكأن حملًا ثقيلًا أُزيح عن قلبها.
وفي تلك الليلة، لم تستطع النوم.
لم يكن وجه لوكاس هو ما يطاردها…
بل شعورها بالراحة.
مرت أشهر.
وفي صباح هادئ، خرجت إيما من غرفة الطبيب وهي تحمل نتيجة تحليل الحمل.
كانت حاملًا.
احتضنت دانيال وهي تبكي من الفرح، وشعرت للمرة الأولى منذ سنوات أن الحياة ابتسمت لها.
قالت لنفسها:
(ربما كانت كل تلك الأيام مجرد اختبار.)
لكن بعض الاختبارات لا تنتهي عند هذا الحد.
بعد أسابيع قليلة، كانت تشرح للأطفال قصة مصورة داخل أحد الفصول.
وأثناء حديثها، وقع بصرها على طفل يجلس وحده في آخر الصف.
لم يكن يشارك الآخرين.
لم يبتسم.
ولم يتحرك.
كان يحدق إليها فقط.
توقفت عن القراءة، ثم اقتربت منه. وقالت:
_ما اسمك؟
لم يُجب.
ظنت أنه خائف، فابتسمت وغادرت إلى الفصل المجاور.
لكنها ما إن دخلت حتى تجمدت في مكانها.
الطفل نفسه…
كان يجلس في آخر الفصل الآخر.
الملابس نفسها.
النظرة نفسها.
والوجه نفسه.
وجه لوكاس.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
اقتربت منه مرة أخرى. وقالت:
_من أنت؟
بقي صامتًا.
وفجأة، انقطع الهواء عن رئتيها.
وضعت يديها على رقبتها، وأخذت تتراجع إلى الخلف وهي تشير للأطفال طالبة النجدة.
لكنهم جميعًا ظلوا جالسين في أماكنهم.
لم يتحرك أحد.
لم يتكلم أحد.
وفجأة نهض الطفل.
ركض نحوها بسرعة.
وارتطم بطنها برأسه.
ثم…
اختفى.
وسقطت إيما فاقدة الوعي.
عندما استعادت وعيها، كانت في المستشفى.
جلس دانيال إلى جوارها، وعيناه حمراوان من البكاء.
سألته بصوت مرتجف:
_هل طفلنا بخير؟
أطرق رأسه طويلًا، ثم قال:
_لقد فقدناه.
صرخت إيما وهي تبكي، وأخبرته بما حدث داخل الفصل.
استمع إليها بصمت، ثم غادر إلى الروضة وهو يشتعل غضبًا.
اتهم الإدارة بالإهمال، واتهم الأطفال بعدم مساعدتها.
لكن المديرة طلبت منه أن يشاهد تسجيلات كاميرات المراقبة.
ظهرت إيما وهي تدخل الفصل وحدها.
وقفت في آخر الغرفة.
وأخذت تتحدث مع فراغ.
ثم أمسكت برقبتها، وبدأت تختنق وتسقط أرضًا.
وفي ذلك اليوم، كان فريق طبي موجودًا داخل الروضة لتنفيذ تدريب على إجراءات السلامة، فهرع أفراده إلى الفصل بعد سماع صراخ الأطفال، وتمكنوا من إسعافها.
لم يظهر في التسجيل أي طفل يقف أمامها.
ولم يظهر لوكاس.
قال أحد الأطباء بعد مشاهدة التسجيل:
_قد تكون هذه هلوسات ناتجة عن اضطراب نفسي شديد، وربما تضاعفت بسبب الحمل والصدمة النفسية.
عاد دانيال إلى المستشفى وهو عاجز عن تفسير ما رآه.
بعد خروجها بأيام، طلبت إيما من زوجها أن يجلس معها.
قالت بصوت مرتجف:
_هناك شيء أخفيته عنك.
ثم اعترفت بكل شيء.
اعترفت بأنها كانت تستطيع إنقاذ لوكاس.
واعترفت بأنها اختارت ألا تفعل.
ساد صمت طويل.
ثم قال دانيال:
كنتِ الوحيدة التي تستطيع إنقاذه.
لم تجب.
وأضاف وهو ينهض من مكانه:
_قد يغفر القانون… وقد ينسى الناس… لكن الإنسان لا يستطيع أن يهرب من ضميره.
مرت الأشهر.
ومع مرور الوقت، استعادت إيما شيئًا من هدوئها.
وحين علمت أنها حامل للمرة الثانية، ظنت أن الماضي انتهى إلى الأبد.
لكن الماضي…
كان ينتظرها.
في صباح بارد، تلقى دانيال اتصالًا من المستشفى.
طُلب منه الحضور فورًا.
وصل مسرعًا، ليجد طبيبًا يقف أمامه بصمت.
قال الطبيب:
_ نأسف… لقد توفيت زوجتك.
همس دانيال:
_كيف؟
أجاب الطبيب:
_اختناق.
“لا توجد أي آثار تدل على اعتداء أو خنق، كما أن تقرير الطب العدلي لم يجد سببًا عضويًا يفسر توقف التنفس.
ظل دانيال صامتًا.
ثم سأل السؤال الوحيد الذي كان يخشاه:
(أين وجدت؟)
نظر الطبيب إليه، ثم قال:
_داخل الفصل نفسه… الذي توفي فيه الطفل لوكاس.
أُغلقت الروضة بعد الحادثة بوقت قصير.
ورغم مرور السنوات، ظل بعض سكان كانتبري يروون أنهم، عند اقتراب الغروب، يرون طفلًا صغيرًا يجلس في آخر ذلك الفصل، صامتًا، لا يتحرك، يحدق في الباب كأنه ينتظر شخصًا ما.
أما دانيال، فلم يعد يسأل نفسه إن كان ما حدث لزوجته مرضًا نفسيًا… أم عقابًا لا يعرف البشر له تفسيرًا.
فبعض الأسئلة…
تبقى بلا إجابة.
وبعض أنواع الصمت…
لا يغفرها أحد.


