
صبحي البدري – رئيس التحرير
يقف العراق اليوم عند مفترق طرق مصيري، تتقاطع فيه ملفات داخلية شائكة مع تحولات إقليمية كبرى، في مشهد يعيد إنتاج أسئلة الدولة وهويتها وسيادتها. فبين حملة مكافحة الفساد التي هزت أركان المؤسسات. ومعركة حصر السلاح التي دخلت منعطفها الأخير مع اقتراب موعد 30 أيلول. وبين دبلوماسية إقليمية متحركة على أكثر من جبهة، يجد العراق نفسه في قلب عاصفة قد تخرج عن السيطرة إن لم تُحسن إدارتها.
معركة الفساد والسلاح.. اختبار الدولة الأصعب
حملة مكافحة الفساد التي أطلقتها حكومة الزيدي لم تكن مجرد إجراءات روتينية، بل مساساً بمراكز نفوذ راسخة، اعتقلت خلالها العشرات من المسؤولين وصادرت أموالاً وعقارات. لكن الجرأة في مواجهة الفساد، وإن كانت ضرورية، تحتاج إلى إرادة سياسية مستدامة، وإلا تحولت إلى زخم إعلامي سرعان ما يخبو.
أما ملف حصر السلاح، فهو الأكثر تعقيداً. فمع اقتراب موعد 30 أيلول، ترفض فصائل كبرى، وفي مقدمتها كتائب حزب الله، تسليم ما تصفه بـ”سلاح المقاومة”. وقد أعلن ائتلاف إدارة الدولة أن أي نشاط مسلح بعد المهلة سيعامل وفق قانون مكافحة الإرهاب، لكن التحدي الأكبر يكمن في قدرة الحكومة على تنفيذ هذا التهديد دون الانزلاق إلى مواجهة مسلحة، خاصة في ظل تصريحات بعض القيادات بأنها ستكون “أول بندقية بوجه من يقترب من سلاح المقاومة”.
الإقليم يتحرك.. واتفاقية مكة تعيد الخريطة
على الصعيد الإقليمي، شكّل توقيع “اتفاقية مكة للدفاع المشترك” بين السعودية وتركيا وباكستان لحظة فارقة في إعادة تشكيل موازين القوى، حيث تنص على أن أي هجوم على أحد الأطراف هو هجوم على الجميع. وهنا يبرز سؤال مصيري للعراق: كيف سيتعامل مع هذا التحالف الجديد، خاصة مع غيابه عنه رغم كونه جاراً وحليفاً استراتيجياً للسعودية؟
وفي سياق متصل، تُقرأ زيارة رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان إلى سوريا، حيث ناقش تفعيل مذكرات التفاهم القضائية وملف معتقلي “داعش”, كجزء من انفتاح عراقي أوسع على دمشق، يهدف إلى تعزيز التعاون الأمني والقضائي في مواجهة التحديات المشتركة، لكنه قد يثير حساسيات إقليمية لا تخلو من تعقيدات.
كيف يمكن للعراق تجنب الأزمات؟
الخلاصة أن العراق أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستمرار في سياسة التوازنات الهشة التي قد تنهار بأي صدمة، أو بناء استراتيجية وطنية جامعة تقوم على:
1. تعزيز الإجماع السياسي: لا يمكن حسم ملفي الفساد والسلاح بقوة الدولة وحدها، بل يحتاجان إلى غطاء سياسي ووطني واسع.
2. الانفتاح الإقليمي الذكي: بدلاً من أن يكون العراق ساحة للتنافس الإقليمي، يمكنه تحويل موقعه الجغرافي إلى جسر للتعاون، عبر الانخراط في الأطر الإقليمية الجديدة بشروط تحفظ سيادته.
3. الفصل بين الملفات: عدم ربط مصير العراق داخلياً بالتوترات الإقليمية، والعمل على حل الأزمات الداخلية بمنطق وطني بعيداً عن المحاور الخارجية.
إن ما يحدث في العراق اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل هو اختبار حقيقي لقدرة الدولة على فرض سيادتها واستعادة هيبتها. والطريق إلى النجاح يمر عبر إرادة سياسية حازمة، وحكمة في التعامل مع الإقليم، وشجاعة في مواجهة الداخل. فإن نجح العراق في اجتياز هذا الاختبار، فقد يخرج منه دولة أقوى وأكثر تماسكاً. وإن فشل، فإن المخاطر التي تنتظره قد تكون أكبر من أي حسابات سياسية راهنة.


