
محمد العجيلي
يشكل الشباب في أي أمة محركاً أساسياً للتغيير والتطور، ويمثلون الطاقة الحيوية القادرة على حمل مشاعل النهضة ومواجهة التحديات. وفي العراق، بلد الحضارات والتاريخ الممتد لآلاف السنين، تبرز أهمية دور الشباب بشكل مضاعف، ليس فقط في بناء المستقبل، بل في حماية الماضي والتصدي لظاهرة الفساد التي تهدد كيان المجتمع وتراثه. إن مسؤولية الشباب اليوم تتجاوز حدود المشاركة السياسية والاقتصادية، لتشمل مهمة نبيلة وحساسة تتمثل في حماية الهوية والذاكرة الجماعية من النهب والتخريب، سواء كان ذلك على مستوى الممتلكات الثقافية أو على مستوى الأخلاق والقيم المجتمعية.
أولاً: الشباب ودورهم في مكافحة الفساد وحماية المجتمع
يمثل الفساد أحد أخطر التحديات التي تواجه المجتمعات المعاصرة، فهو لا يقتصر على نهب المال العام فحسب، بل يمتد إلى تآكل النسيج الاجتماعي وتفكيك الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. وهنا يأتي دور الشباب بوصفهم العنصر الأكثر حماسة وحساسية تجاه الظلم والإقصاء:
1. الرقابة المجتمعية والمواطنة الفاعلة: يتمتع الشباب بحيوية وقدرة على استخدام أدوات العصر الحديث، كوسائل التواصل الاجتماعي، في كشف حالات الفساد وتوثيق الانتهاكات. فوجود شباب واعٍ ومدرك لحقوقه وواجباته يمثل رادعاً قوياً للمفسدين، الذين يدركون أن عيون الشباب ترقب كل صغيرة وكبيرة.
2. المشاركة في مؤسسات المجتمع المدني: يمكن للشباب أن يلعبوا دوراً محورياً من خلال الانخراط في منظمات المجتمع المدني المعنية بمكافحة الفساد، والعمل على نشر ثقافة النزاهة والشفافية في المؤسسات التعليمية والخدمية، والضغط من أجل إصلاح القوانين الرادعة للفساد.
3. تعزيز ثقافة المساءلة والمحاسبة: إن تربية الشباب على مبدأ أن المساءلة حق وواجب، وليس ترفاً سياسياً، يشكل حجر الأساس في بناء مجتمع مقاوم للفساد. فالشباب المتسلح بالوعي القانوني والسياسي يصبح درعاً واقياً يحمي مجتمعه من الانزلاق نحو المحسوبية والمحاصصة.
4. قيادة الحركات الاحتجاجية السلمية: شهد العراق في السنوات الأخيرة حركات احتجاجية شبابية عارمة، أثبت فيها الشباب أنهم قادرون على أن يكونوا صوتاً مدوياً ضد الفساد، مطالبين بإصلاحات جوهرية، مؤكدين أن رفض الفساد ليس موقفاً آنياً بل ثقافة متجذرة.
ثانياً: الشباب وحماية التاريخ والآثار من النهب والتخريب
يمثل الإرث التاريخي والآثار العراقية ذاكرة للإنسانية جمعاء، فهي ليست ملكاً للعراقيين وحدهم، بل ثروة عالمية اختزنت في أرض الرافدين. وقد تعرضت هذه الثروة خلال العقود الماضية، وبخاصة بعد عام 2003، إلى نهب ممنهج وتخريب متعمد تسبب في فقدان جزء كبير من الهوية الوطنية. وللشباب دور أساسي في حماية هذا الإرث:
1. التوعية الثقافية والمعرفية: تكمن القوة الحقيقية للشباب في قدرتهم على نشر الوعي بأهمية الآثار والتاريخ، من خلال تنظيم حملات توعوية، واستخدام منصات التواصل الاجتماعي لتسليط الضوء على قيمة المواقع الأثرية وخطورة نهبها. إذ أن الجاهل بقيمة تراثه لا يمكن أن يحميه، والشباب هم الأقدر على تحويل الوعي إلى فعل.
2. التوثيق الرقمي والتصدي للاتجار: أثبتت التجارب العالمية أن الشباب هم الأكثر قدرة على استخدام التكنولوجيا الحديثة في توثيق المواقع الأثرية ونشر الصور والفيديوهات التي تكشف عمليات النهب والاتجار غير المشروع، مما يشكل ضغطاً دولياً يحد من نشاط شبكات التهريب.
3. المشاركة في عمليات الحفر والترميم: يمكن للشباب المتخصصين في مجالات الآثار والتاريخ والهندسة المعمارية أن يسهموا في عمليات التنقيب القانوني والترميم، وأن يتبنوا مشاريع بحثية تعيد الاعتبار للمواقع المهملة، وأن ينشطوا في المراكز البحثية المتخصصة.
4. الرقابة المجتمعية على المواقع الأثرية: إن وجود شباب متطوعين من المناطق المجاورة للمواقع الأثرية، يعملون كحراس شرفيين لهذه المواقع، ويرصدون أي نشاط مشبوه ويبلغون الجهات المختصة، يمكن أن يحدث فرقاً كبيراً في حماية هذه الثروات.
5. ربط التاريخ بالهوية المعاصرة: من أخطر ما يواجه التراث العراقي هو فصله عن حياة الشباب اليومية. فمن خلال دمج المواقع الأثرية في المناهج الدراسية، وتنظيم زيارات ميدانية، وإقامة فعاليات ثقافية في المتاحف، يمكن للشباب أن يستعيدوا شعور الانتماء إلى هذا التاريخ ويحولوه إلى مصدر فخر وليس إلى ماضٍ منسي.
ثالثاً: تحديات تواجه الشباب في أداء دورهم
لا يمكن إغفال التحديات الكبيرة التي تواجه الشباب العراقي في هذا المضمار، والتي تتمثل في البطالة، وضعف البنية التحتية التعليمية والثقافية، وغياب السياسات الداعمة للحفاظ على التراث، فضلاً عن انتشار ثقافة الإحباط والتشاؤم الناتجة عن سنوات الحروب والحصار. لكن التحدي الأكبر يبقى في إعادة بناء الثقة بين الشباب ومؤسسات الدولة، بحيث يشعر الشاب أن جهوده في الحماية والتوعية موضع تقدير، وأن صوته مسموع ومؤثر.
إن حماية العراق من الفساد، وحماية آثاره من النهب، ليسا مهمتين منفصلتين؛ بل هما وجهان لعملة واحدة هي الحفاظ على الهوية وبناء الدولة الحديثة. وبما أن الشباب هم عماد المستقبل وحاملو لواء التغيير، فإن الاستثمار في قدراتهم وتوجيه حماسهم نحو هذه الأهداف النبيلة يعد ضرورة وطنية ملحة. من هنا، ندعو إلى:
– إطلاق برامج وطنية للتوعية الأثرية والقانونية تستهدف الشباب في المدارس والجامعات.
– تشكيل فرق شبابية تطوعية تعمل بالتعاون مع هيئة الآثار والتراث لمتابعة المواقع وحمايتها.
– تخصيص منح بحثية ودورات تدريبية للشباب في مجالات التنقيب والترميم والمتاحف.
– إطلاق حملات رقمية** لكشف الفساد وفضح ممارسات النهب، باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة.
– دمج التراث في الخطاب الإعلامي والثقافي الموجه للشباب، بحيث يصبح الحفاظ عليه قيمة مجتمعية راسخة.
وفي النهاية، يبقى العراق بأرضه وتاريخه وشبابه صامداً أمام كل محاولات الطمس والنهب. وكما كتب الشاعر الجواهري:
نحنُ أبناءُ دجلةَ والفراتِ
نحنُ خيرُ الشعوبِ في الأمسِ واليومِ
فالشباب العراقي، بحماسته وإرادته، هو ضمانة استمرار هذه الرسالة الخالدة، وهو الحارس الأمين لتاريخ يمتد من أوروك إلى بابل، ومن الحضر إلى المدائن، ومن العمارة والتراث إلى مستقبل يليق بعراقة هذا البلد العظيم.


