
زينب العجيلي
لم يكن الأدب النسوي في منطقتنا العربية، وخاصة في المشرق العربي، مجرد حركة كتابية عابرة، بل كان وما يزال مرآةً نقدية تعكس تحولات الهوية الأنثوية في مواجهة منظومة قيمية ذكورية متصلبة. لعبت المرأة دوراً كبيراً، بل جوهرياً، في تطوير هذا الأدب، لكنها واجهت في كل خطوة من خطواتها العقبات ذاتها التي واجهتها في حقول المعرفة الأخرى: الفلسفة، والفن، والإدارة، والاقتصاد. لقد كانت المرأة، وبخاصة في النصف الأول من القرن العشرين، محكومة بشرط طبقي صارم، إذ لم يُسمح لها بأن تكون أديبة أو مفكرة أو رائدة إلا إذا كانت تنتمي إلى الطبقة الأرستقراطية والمخملية، تلك الطبقة التي كانت تحتكر مفاصل المجتمع وتتحكم في منابره الثقافية. هذا الشرط الطبقي، إلى جانب تدني نسب القراءة والتعليم بين النساء حتى منتصف القرن العشرين، جعل من الكتابة النسوية حكراً على القلة القادرة على تجاوز الحواجز الاقتصادية والاجتماعية، لكن مع انطلاقة النصف الثاني من القرن العشرين، حدثت ثورة تعليمية هائلة، وظهرت جيوش من النساء الرائدات اللواتي قلبن موازين الأدب النسوي وأدخلنَه إلى آفاق جديدة من النقد والوعي والجماليات.
أولاً: الأدب النسوي في قفص الطبقة والذهنية الأبوية
في العقود التي سبقت منتصف القرن العشرين، كان المشهد الثقافي في المنطقة العربية، بما فيها العراق ومصر والشام، يخضع لضوابط اجتماعية صارمة، حيث كانت المرأة تُعرف بعلاقتها بالرجل (ابنة، زوجة، أماً) وليس بذاتها المستقلة. لكن الاستثناء الوحيد الذي كان يُسمح له بالخروج عن هذه القاعدة هو المرأة الأرستقراطية. ففي غياب التعليم النظامي العام للفتيات، وحين كانت الأسر الفقيرة والمتوسطة تفضل تعليم الذكور على حساب الإناث، كانت نساء الطبقات العليا يمتلكن الرفاهية الكافية لتلقي التعليم الخاص، والتعرف على الآداب الغربية والعربية، وإتاحة الوقت للكتابة والنشر. ظهرت في تلك الفترة أسماء لامعة مثل مي زيادة، ووداد سكاكيني، ونازك الملائكة في مراحل لاحقة، لكن أغلب هؤلاء كنَّ إما من أسر مثقفة وثرية، أو محاطات بدوائر نخبوية سمحت لهن بالظهور. وهذا لم يكن من قبيل المصادفة، بل هو مؤشر على أن الذهنيات الاجتماعية السائدة لم تكن لتتقبل فكرة أن تكون امرأة من عامة الشعب مفكرة أو كاتبة، فالمرأة في الوعي الجمعي كانت حبيسة الأدوار التقليدية التي لا تتسع للإبداع الفكري.
ثانياً: الأمية الثقافية وهيمنة التهميش
إن تدني نسب التعليم بين النساء حتى منتصف القرن العشرين لم يكن مجرد إحصاء محايد، بل كان أداة قمع ثقافية بامتياز. فالأمية لم تكن تعني فقط عدم القدرة على القراءة والكتابة، بل كانت تعني الحرمان من أدوات التعبير عن الذات، والحرمان من الاطلاع على إرث الحضارة الإنسانية. حين كانت الأمية تشكل أكثر من 80% من الإناث في كثير من البلدان العربية، كان ذلك يعني أن الأصوات النسائية مخنوقة قبل أن تولد، وأن الإبداع الأدبي الأنثوي يبقى معزولاً في زوايا النخبة القليلة التي تستطيع تجاوز هذا الحاجز. لقد استغلت السلطة الذكورية هذه الأمية لتكريس خطاب يصور المرأة على أنها غير قادرة على الإبداع الجاد، وأن حضورها الأدبي لا يتعدى المشاعر العاطفية أو الغزلية الرقيقة، مما جعل أعمال النساء الأدبية تُصنف غالباً في خانة “الأدب الخفيف” أو “الأدب العاطفي”، بعيداً عن الفلسفة والنقد الاجتماعي العميقين.
ثالثاً: ثورة التعليم وولادة الرائدات الحقيقيات
مع منتصف القرن العشرين وما بعده، وبخاصة مع حركات التحرر الوطني والانفتاح على الأنظمة التعليمية الحديثة، حدثت نقلة نوعية هائلة في إقبال الفتيات على التعليم. تحولت المدارس والمعاهد والجامعات إلى فضاءات مفتوحة أمام المرأة، مما خلق جيلاً جديداً من النساء اللواتي لم يعدنَّ محتاجات إلى الانتماء الطبقي الأرستقراطي ليُسْمَع صوتهن. دخلت المرأة إلى كلية الآداب، والصحافة، والإعلام، وبدأت تكتب من قلب المعاناة اليومية للمرأة البسيطة، ومن زوايا المدن الصغيرة والقرى، وليس فقط من قصور الباشوات. هنا ظهرت أسماء لا يمكن تجاهلها في مسيرة الأدب النسوي العربي، من نوال السعداوي التي هزت الوعي الجمعي برواياتها ونقدها الثقافي، إلى غادة السمان التي مزجت الشعرية بالثورية، إلى فضيلة الفاروق، ود. هدى الدغستاني، وشذى التميمي، وغيرهم من الروائيات والشاعرات والناقدات اللواتي حملن مشعل الأدب النسوي في العقود الأخيرة.
هذا الجيل الجديد لم يكتب فقط عن الحب والعاطفة، بل كتب عن الجسد، والسياسة، والاضطهاد المزدوج (السياسي والاجتماعي)، وعن الهوية، وصراع الطبقات، وعن الحرب وتداعياتها على النساء. الأدب النسوي تحول من كونه أدباً “نسائياً” إلى أدب “نسوي” بالمعنى النقدي، أي أنه أصبح معبراً عن وعي جمعي برؤية نقدية للواقع، ورؤية استشرافية للمستقبل.
رابعاً: معاناة البدايات وتجاوز النمطية
رغم هذا الصعود الدراماتيكي، فإن الرائدات الجدد لم تخلُ مسيرتهن من المعاناة. فإلى جانب العقبات الاجتماعية التقليدية، واجهن أيضاً نقداً أكاديمياً متحيزاً يحاول حصر كتابتهن في إطار السيرة الذاتية، أو اعتبار نصوصهن تعبيراً عن “أزمة نفسية” لا عن رؤية فكرية متكاملة. لكنهن، بإصرارهن، نجحن في فرض حضور النقد النسوي في الأوساط الأكاديمية، وظهرت دراسات نقدية تعيد قراءة الأدب النسوي من منظور ما بعد كولونيالي، وما بعد حداثي، وفرويدي، ووجودي، مما أكد أن المرأة قادرة على أن تكون فيلسوفة وناقدة ورائدة أعمال ثقافية، وليست مجرد كاتبة عاطفية كما صورتها الذهنية السائدة.
من الاستثناء الطبقي إلى الحق العام
لقد أوصلتنا رحلة الأدب النسوي من قصور الأرستقراطية إلى الجامعات والمعامل والمنازل البسيطة إلى نتيجة حاسمة: أن الإبداع الأنثوي ليس حكراً على طبقة دون أخرى، بل هو حق إنساني يزدهر حين تتوفر البيئة التعليمية الداعمة، وحين تتهاوى الأسوار الذهنية التي تفصل المرأة عن حقها في التعبير. وما حدث في النصف الثاني من القرن العشرين من ثورة تعليمية لم يرفع نسبة القراءة والكتابة فقط، بل أنتج وعياً نقدياً ناضجاً صار يشكل اليوم جزءاً لا يتجزأ من المشهد الثقافي العربي. ورغم أن التحديات ما زالت قائمة، من تراجع بعض الحريات في بعض الأقطار إلى هيمنة الخطاب الديني المحافظ، إلا أن التاريخ الأدبي يثبت أن المرأة، حين تملك أدوات المعرفة، تصبح قادرة على إعادة تشكيل وعي الأمة من جذوره. وإننا اليوم، إذ ننظر إلى هذا المسير النضالي، ندرك أن الأدب النسوي ليس مجرد تيار هامشي في تاريخنا، بل هو سردية التحرر ذاتها التي لا يمكن لأي مشروع نهضوي أن يستغني عنها.


