
شهد العبيدي
الحروب ليست مجرد أرقام للخسائر أو معارك عسكرية على الخرائط؛ إنها كارثة إنسانية بامتياز تعيد تشكيل المجتمعات من جذورها. وأكثر من يدفع الثمن هم الفئة الأضعف هيكلياً في أوقات النزاع، وهم الأسرة والمرأة. بينما تنهار المدن وتتوقف عجلة الحياة، تبقى الأسرة هي الخط الدفاعي الأول، لكنها تتعرض لضربات مباشرة وغير مباشرة تمزق نسيجها، وتترك المرأة في قلب العاصفة تعاني من وطأة الفقد والنزوح والمسؤوليات المزدوجة. وسنستعرض الآثار المدمرة للحروب على الأسرة والمرأة، ثم ننظر إلى الجانب المشرق: كيف يمكن للمرأة، رغم كل المعاناة، أن تكون مفتاحاً لبناء مجتمع مستقر بعيد عن شبح الحروب.
تأثير الحروب وعدم الاستقرار على العائلة بشكل عام
1. التفكك الأسري والجسدي: تفرق الحروب أفراد الأسرة الواحدة بين لاجئين ومشردين ومعتقلين ومفقودين. يفقد الأطفال آباءهم، وتفقد الأمهات أبناءهن، وتتحول أواصر المحبة إلى ذكريات مؤلمة.
2. الانهيار الاقتصادي: يفقد رب الأسرة مصدر رزقه مع تدمير البنية التحتية والمصانع والمزارع. ينتشر الفقر المدقع، وتصبح الأسرة عاجزة عن تأمين أبسط احتياجاتها من غذاء ودواء ومأوى، مما يؤدي إلى تفكك العلاقات بسبب الضغوط المالية.
3. الصدمات النفسية الجماعية: يعاني جميع أفراد الأسرة من اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، والكوابيس، والقلق المزمن، والاكتئاب. يتحول المنزل من ملاذ آمن إلى سجن للخوف، ويفقد الأطفال طفولتهم، ويصبح العنف وسيلة للتعامل مع الضغوط داخل الأسرة نفسها.
4. تشريد القيم والأخلاق: في خضم الفوضى والحرب، تتفكك الأعراف والقيم الاجتماعية. قد تضطر الأسر للجوء إلى ممارسات غير أخلاقية للبقاء على قيد الحياة، كزواج القاصرات المبكر كحماية مزعومة، أو التسول، أو العمل القسري.
تأثير الحروب على المرأة بشكل خاص (عبء مضاعف)
المرأة في الحروب تواجه “عقوبة إضافية” لأن جسدها يصبح ساحة للمعارك.
1. العنف الجنسي كسلاح حرب: يُعد الاغتصاب الجماعي، والإخصاء القسري، والاستعباد الجنسي من أفظع جرائم الحرب التي تستهدف النساء تحديداً. يُستخدم هذا العنف لكسر روح المجتمع وإذلاله، وتترك الضحايا بندوب نفسية وجسدية لا تندمل مدى الحياة.
2. العبء المزدوج: مع غياب أو موت الرجال في المعارك، تتحول المرأة بين ليلة وضحاها إلى المسؤول الوحيد عن الأسرة. تصبح هي المعيلة، والمديرة، والمربية، والممرضة، والزرّاعة، كل ذلك في ظل غياب الأمان وأبسط الخدمات.
3. تدمير الصحة الإنجابية: تنهار المراكز الصحية، وتنعدم الرعاية الطبية للنساء الحوامل، مما يؤدي إلى ارتفاع معدلات وفيات الأمهات والأطفال حديثي الولادة. تفتقر النساء إلى وسائل تنظيم الأسرة والنظافة الشخصية، مما يفاقم معاناتهن الصحية.
4. التهميش والإقصاء: في مرحلة ما بعد النزاع، غالباً ما يتم تهميش دور المرأة، رغم أنها كانت العمود الفقري للمجتمع أثناء الحرب. تُستبعد من مفاوضات السلام وعمليات إعادة الإعمار، وتُعاد الأعراف الذكورية التقليدية التي تضعها في الدرك الأسفل.
كيف يمكن للمرأة أن تلعب دورها في بناء مجتمع مستقر بعيد عن الحروب؟
رغم كل الصور القاتمة، أثبتت المرأة عبر التاريخ أنها ليست مجرد ضحية، بل قوة دافعة للتغيير والسلام. إليك كيف يمكنها القيام بدورها:
1. صنع السلام من الأسفل: النساء أكثر قدرة على بناء تحالفات مجتمعية وحل النزاعات بطرق سلمية. يمكنهن تنظيم “لجان السلام النسائية” في الأحياء، تعمل على حل الخلافات الصغيرة قبل أن تكبر، ونشر ثقافة الحوار والتسامح داخل الأسرة والمدرسة.
2. الضغط من أجل التعليم: المرأة المتعلمة هي أقوى سلاح ضد التطرف والعنف. يمكنها تعليم أطفالها قيم التسامح والمواطنة، والنقد البناء، ونبذ الكراهية. المدارس التي تديرها نساء هي بؤر أمان واستقرار في المجتمعات الهشة.
3. القيادة الاقتصادية: عندما تُمكّن المرأة اقتصادياً (من خلال المشاريع الصغيرة، والتمويل الأصغر، والتدريب المهني)، فإنها تُعيد بناء النسيج الاقتصادي من القاعدة. الأسرة التي تعولها امرأة قوية اقتصادياً تكون أقل عرضة للتجنيد في الجماعات المسلحة أو الانزلاق في العنف من أجل لقمة العيش.
4. المشاركة في رسم سياسات الدولة: لا يمكن بناء مجتمع مستقر دون وجود النساء في طاولات القرار. يجب أن تشارك المرأة في كتابة الدستور، وقوانين العدالة الانتقالية، وإصلاح قطاع الأمن. وجودها يضمن عدم إعادة إنتاج مسببات الحرب، ويضمن حماية حقوق الفئات الأكثر تضرراً.
5. شفاء الجروح المجتمعية: تمتلك المرأة قدرة فطرية على التعافي المجتمعي. هي التي تقود مبادرات المصالحة بين العائلات المتناحرة، وتدير مجموعات الدعم النفسي للنساء والفتيات الأخريات، وتُعيد بناء الثقة في الإنسان بعد أن دمرتها الحرب.
الحروب لا تنتهي بتوقيع اتفاقيات على ورق؛ بل تنتهي عندما تعود الحياة إلى طبيعتها في عيون الأطفال، وعندما تشعر المرأة بالأمان مجدداً. إن تدمير الأسرة والمرأة هو تدمير للحاضر والمستقبل، بينما حمايتهما وتمكينهما هو استثمار في السلام الدائم.
على المجتمع الدولي والدول العربية أن تدرك أن دعم المرأة ليس رفاهية، بل ضرورة استراتيجية للأمن القومي. المرأة القادرة على بناء بيتها في زمن الحرب، هي وحدها القادرة على بناء وطن لا تعرف فيه الأجيال القادمة معنى للحرب. فلنستثمر في المرأة، ولنسمع صوتها، ولنمنحها أدوات السلام، فهي حارسة الذاكرة وبانية المستقبل.
“إذا أردت أن تعرف إن كان المجتمع يتجه نحو السلام أو الحرب، فانظر كيف يعامل نساءه.”


