• Home  
  • المرأة والطبيعة (البيئة): قصة استعباد واحدة وتدمير مزدوج
- امرأة ومجتمع

المرأة والطبيعة (البيئة): قصة استعباد واحدة وتدمير مزدوج

انغام جميل سنبحث في العلاقة الجوهرية بين استغلال المرأة واستغلال الطبيعة، بوصفهما وجهين لعملية واحدة من “التشييء” (التحويل إلى شيء أو سلعة) التي أسستها العقلية الأبوية الاستخراجية الحديثة. منذ العصور القديمة، كانت المرأة والطبيعة متحدين في رمزية الخصوبة والحياة والرعاية. لكن مع صعود الأنظمة الأبوية والرأسمالية الصناعية، تم اختزال المرأة إلى “كائن استهلاكي” والطبيعة إلى […]

انغام جميل

سنبحث في العلاقة الجوهرية بين استغلال المرأة واستغلال الطبيعة، بوصفهما وجهين لعملية واحدة من “التشييء” (التحويل إلى شيء أو سلعة) التي أسستها العقلية الأبوية الاستخراجية الحديثة. منذ العصور القديمة، كانت المرأة والطبيعة متحدين في رمزية الخصوبة والحياة والرعاية. لكن مع صعود الأنظمة الأبوية والرأسمالية الصناعية، تم اختزال المرأة إلى “كائن استهلاكي” والطبيعة إلى “مورد قابل للاستنزاف. إن تحرير المرأة لا يمكن فصله عن حماية البيئة، وأن أي مجتمع يحول هذين العنصرين الحيويين إلى أدوات للربح والإشباع المادي يُقوض وجوده حتماً.

منذ فجر الحضارة، رسمت المخيال الإنساني صلة وثيقة بين الأنثى والأرض. كانت الآلهة الأم (كـ”إنانا” في بلاد الرافدين، و”إيستر” و”كي”، و”غايا” في اليونان) تجسيداً للخصوبة والنماء والحياة. كانت المرأة، بجسدها الدوري القمري وقدرتها على الإنجاب، رمزاً للطبيعة ذاتها. عطاء بلا حدود، دورات متجددة، سر الحياة. وفي المجتمعات الزراعية التقليدية، كانت المرأة هي البذّارة، والحاصدة، وحافظة البذور، ومديرة المياه المنزلية، ومعالجة النباتات الطبية.

هذا الرباط لم يكن مجرد شعر أو أسطورة؛ كان علاقة عملية ونمط إنتاج ونسقاً قيمياً يقوم على التدوير والرعاية لا الاستنزاف والهيمنة.

ثم جاء تحول عميق مع صعود المجتمعات الأبوية المنظّمة، ثم مع الثورة العلمية والصناعية، بدأ هذا الرباط يُفكك، ليس بالصدفة، بل وفق مشروع متكامل. تبين هذه الورقة أن تحويل المرأة إلى “جسم مستهلك” والطبيعة إلى “مادة خام” هما عمليتان متوازيتان، تغذيهما العقلية الذكورية الاستغلالية ذاتها. النتيجة كانت: مجتمع مشوّه، بيئة مدمّرة، وتجريد الحياة من قدسيتها.

القطيعة الأولى: صعود الدولة الأبوية والقوانين الوضعية

مع قيام الإمبراطوريات والقوانين الوضعية (في بلاد الرافدين مثلاً مع شريعة حمورابي، ثم في اليونان والرومان)، حدث تراجع تدريجي لدور المرأة في الفضاء العام وإدارة الموارد. فُصلت المرأة عن الأرض تدريجياً، وحُصرت في الفضاء المنزلي. صارت الأرض ملكية خاصة يتحكم بها الرجل، بينما تحولت المرأة إلى جزء من تلك الملكية (ابنة، زوجة، أمة). تلك كانت أول خطوة في “تشييء” الكائنين معاً.

التحول الحاسم حدث في أوروبا القرن السابع عشر مع فلاسفة العلم الجديد مثل فرانسيس بيكون ورينيه ديكارت.

– بيكون شبه الطبيعة بالمرأة “الساحرة” التي يجب “استجوابها تحت التعذيب” (في إشارة للتجارب العلمية) لكشف أسرارها وإخضاعها لخدمة الإنسان. لغة العنف والتسلط على الطبيعة – استعارتها من محاكم تفتيش الساحرات حيث كانت النساء ضحايا – وضعت الأساس لاستغلال بيئي غير مسبوق.

– ديكارت قسم الواقع إلى “مادة” صماء آلية و”عقل” مفكر. الطبيعة أصبحت مجرد آلة كبيرة، بلا روح أو قيمة ذاتية، والمرأة المرتبطة رمزياً بالطبيعة والجسد لم تعد سوى جزء من هذه الآلة يجب التحكم فيه.

هذه الفلسفة هي التي أنتجت النموذج الاستغلالي الحديث: الإنسان (الذكر العاقل الأبيض الأوروبي) هو المركز، والعالم الطبيعي (والمرأة ضمنه) موجود فقط لخدمته.

بين القرنين 15 و18، شهدت أوروبا حملة اضطهاد واسعة ضد النساء المتهمات بالسحر، قُتل خلالها عشرات الآلاف. لكن الخلفية الاقتصادية والثقافية لهذه الحملات كانت أكثر تعقيداً. لقد استهدفت النساء اللواتي امتلكن معرفة نباتية وطبية راسخة، النساء اللواتي كن يعالجن بالفطريات والأعشاب ويساعدن في الإجهاض (تنظيم النسل). هذه المعارف كانت عائقاً أمام صعود البروفيسيون الطبي الذكوري الجديد (الأطباء الذكور المدعومين من الدولة) وأيضاً أمام السيطرة على الإنجاب.

هذا الاضطهاد لم يكن مجرد هوس ديني، بل كان “تطهيراً” للمعارف النسوية البيئية ليحل محلها العلم الذكوري التجريبي الأبعد عن الطبيعة.

المرأة: من حارسة للبيئة إلى مستهلكة

مع الثورة الصناعية وخروج الإنتاج من المنزل إلى المصنع، فقدت النساء السيطرة على وسائل الإنتاج الزراعي والحرفي. وبدلاً من أن يكنّ منتجات، جرى تسويقهن كـمستهلكات. الإعلانات الحديثة حوّلت جسد المرأة إلى أداة للترويج لكل شيء: من السيارات إلى المشروبات الغازية، مروراً بمستحضرات التجميل والملابس السريعة.

في نفس اللحظة، تحولت الطبيعة إلى ما يُسمى في اللغة الاقتصادية بـ”الموارد الطبيعية” – كأنها مجرد مخزن يمكن نهبه. الغابات صارت أخشاباً، الأنهار صارت مياه تبريد للمصانع، التربة صارت وعاء للكيماويات الزراعية.

النموذج الذكوري الاستغلالي لا يرى في الغابة إلا قيمة مادية (كم متراً من الخشب؟ كم طناً من البترول تحت الأرض؟). بينما النموذج الأنثوي التقليدي يرى في الغابة نظاماً للحياة: مصدراً للمياه النقية، منزلاً للطيور، عُلباً للأدوية الطبيعية، رئة للهواء.

ما يجمع استغلال المرأة والطبيعة هو نفس المنطق الآلي العددي الذي يقيس قيمة كل شيء بالربح المادي.

قيمة في المجتمعات الاستهلاكية الحديثة تُقاس بجمالها الجسدي (وفق معايير هشة متغيرة)، وقدرتها على الاستهلاك، ومساهمتها في الناتج المحلي. أدوارها كحارسة، ومربية أجيال، وحافظة للمعرفة التقليدية لا تُحتسب في الاقتصاد الرسمي.

– وقيمة الطبيعة تُقدَّر الخدمات التي تقدمها النظم البيئية (تلقيح المحاصيل، تنقية المياه، عزل الكربون فقط عندما تُترجم إلى “قيمة اقتصادية” عبر أسواق الكربون أو ما شابه. لكن وظيفتها الجوهرية – دعم الحياة – ليس لها سعر في دفاتر الشركات.

هذه العقلية المنفصلة، التي تفتقر إلى الأخلاق الأنثوية للعناية، هي التي أنتجت مجتمعاً مريضاً. المرأة مستعبدة ومتعة، والطبيعة مستنزفة وملوثة، والمجتمع في مجموعه يعاني من أزمات، عزلة، كآبة (بسبب قطع صلة الإنسان بالأرض)، تلوث، أمراض مزمنة.

لإعادة بناء مجتمع صحي بيئياً ونفسياً، لا بد من كسر دائرة استعباد المرأة والطبيعة معاً. المقترحات التالية ترتكز على العودة إلى القيم الأنثوية للعناية والتدوير:

تعليم الفتيات كحارسات للبيئة

إدراج مادة “النسوية البيئية التطبيقية” في المدارس الابتدائية، حيث تتعلم الفتيات (والفتيان أيضاً) العلاقة بين حقوق المرأة وصحة النظم البيئية. الأنشطة العملية: زراعة حدائق مدرسية، فرز النفايات، ترشيد الماء، مع التركيز على أن هذه الممارسات ليست “خدمة” بل “سيادة على الذات”.

توثيق المعارف البيئية النسوية التقليدية

قبل أن تندثر مع الجيل الأكبر سناً، يجب إنشاء أرشيف وطني للطب الشعبي النباتي، طرق حفظ البذور، تقنيات الري المنزلي، فنون تدوير المنسوجات والخزف. هذه المعارف ليست فولكلوراً، بل تكنولوجيا مستدامة بديلة.

تمكين المرأة اقتصادياً في مشاريع خضراء

دعم تعاونيات نسائية متخصصة في: زراعة الأسطح المنزلية، إعادة تدوير المخلفات الورقية والبلاستيكية، إنتاج مستحضرات تجميل طبيعية من النباتات المحلية، صناعة الأسمدة العضوية من مخلفات المطابخ. هذه المشاريع تولد دخلاً وتحمي البيئة وتعزز استقلالية المرأة.

حصة إجبارية للنساء في هيئات إدارة الموارد الطبيعية

في مجالس حماية الأهوار، لجان إدارة المياه المحلية، هيئات مكافحة التصحر – يجب تخصيص نسبة لا تقل عن 40% من الأعضاء للنساء الخبيرات، مع ضمان أنهن لسن مجرد “زينة” بل لهن صوت مؤثر في الميزانيات والسياسات.

نقد ثقافي للإعلان والاستهلاك

حملات وطنية تفضح كيفية استخدام جسد المرأة في الترويج لمنتجات مدمرة بيئياً. استبدال صور النساء “كأدوات إغراء” في الإعلانات بصورة المرأة كحارسة، ومربية، وعالمة، وفاعلة بيئية.

لم يكن ارتباط المرأة بالطبيعة محض صدفة ثقافية، بل انعكاساً لبنية الحياة نفسها، الإيقاع، الدورية، الرعاية، التكامل. كل مجتمع أراد السيطرة على المرأة وإفقارها وإخراجها من دائرة القيمة، تلته السيطرة على الطبيعة وتجريدها من روحها، ثم تلاهما انهيار المجتمع في أزمات متعددة البيئة، الاقتصاد، الصحة النفسية.

اليوم، في عصر التغير المناخي والتلوث المتفاقم وتراجع التنوع الثقافي، أصبح واضحاً أن نموذج الأب الأبيض الاستغلالي فشل. الثمن الذي دفعناه (المرأة والطبيعة معاً) باهظ، لكن الوقت لم يفت بعد للعودة.

ليس المطلوب استعادة مجتمع “أمومي” خيالي، بل استعادة قيم أنثوية في صميم السياسة والاقتصاد: قيم العناية على الربح، والتدوير على الاستنزاف، والشراكة مع الطبيعة على السيطرة عليها. وحين تتحرر المرأة من قيود “الجسم المستهلك” و”الكائن التابع”، تعود لتكون حارسة البيئة الطبيعي، عندها فقط قد نلمس فجر مجتمع جديد – أخضر، عادل، حيوي، وأخيراً سليم.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026